عاد ملف الـ«كادميوم» الموجود في الأسمدة الفوسفاتية إلى واجهة النقاش السياسي والصحي في فرنسا، مع شروع الجمعية الوطنية الفرنسية في مناقشة مقترح يهدف إلى تشديد المعايير القانونية المتعلقة بنسبة هذا المعدن الثقيل في الأسمدة، وسط تباين في المواقف بين المدافعين عن الصحة العامة والمتخوفين من انعكاسات القرار على كلفة الإنتاج الزراعي.
ويكتسي هذا النقاش أهمية خاصة بالنسبة للمغرب، باعتباره أول مزود للسوق الفرنسية بالأسمدة الفوسفاطية، مستندا إلى احتياطيات ضخمة تمثل نحو 70 في المائة من الموارد العالمية المستغلة من الفوسفاط. ورغم أن الفوسفاط الطبيعي يحتوي بطبيعته على نسب متفاوتة من الـ«كادميوم»، فإن الفاعلين المغاربة، وعلى رأسهم مجموعة «OCP»، استثمروا خلال السنوات الأخيرة في تقنيات متطورة لتنقية الأسمدة وخفض مستويات هذا المعدن الثقيل.
وبفضل هذه الاستثمارات، تراجعت نسبة الـ«كادميوم» في الأسمدة المغربية من 73 مليغراما لكل كيلوغرام سنة 2024 إلى 36 مليغراما فقط سنة 2025. كما تؤكد مجموعة «OCP» أنها تزود أسواق الاتحاد الأوروبي، منذ فبراير 2025، بأسمدة تقل نسبة الـ«كادميوم» فيها عن 20 مليغراما لكل كيلوغرام، وهو مستوى يتجاوز المتطلبات التنظيمية المعمول بها حاليا.
ويأتي هذا التطور في وقت يقترح فيه عدد من البرلمانيين الفرنسيين خفض الحد الأقصى المسموح به من 90 مليغراما لكل كيلوغرام إلى 20 مليغراما بحلول سنة 2030، بدعوى الحد من المخاطر الصحية المرتبطة بتراكم الـ«كادميوم» في السلسلة الغذائية، فيما تدعو الحكومة الفرنسية إلى اعتماد جدول زمني أكثر مرونة يمتد إلى سنة 2038، مراعاة لتداعيات القرار على القطاع الفلاحي.
ويستند المدافعون عن تشديد المعايير إلى معطيات صحية تشير إلى أن الـ«كادميوم»، المصنف ضمن المعادن الثقيلة الضارة، يمكن أن يتسرب إلى عدد من المنتجات الغذائية مثل القمح والأرز والخضروات، ما يثير مخاوف بشأن التعرض المزمن له عبر الغذاء.
وفي خضم هذا الجدل، يبرز النموذج المغربي باعتباره مثالا على قدرة الابتكار الصناعي والاستثمار في التكنولوجيا على التوفيق بين متطلبات التنافسية الاقتصادية والالتزامات البيئية والصحية، من خلال تطوير أسمدة منخفضة الكادميوم تستجيب للمعايير الأكثر صرامة في الأسواق الدولية.

