يشهد التعاون المغربي الفرنسي في مجال إدارة الموارد المائية تطورًا متسارعًا يرسخ مكانة البلدين كشريكين استراتيجيين في مواجهة التحديات المناخية والبيئية، خصوصًا في ظل توالي سنوات الجفاف وتأثر الأوساط القروية والحضرية بندرة المياه.
هذا التعاون المتين تُجسّده مشاريع رائدة ميدانيًا، على رأسها مشروع «AEP Nord III»، الذي يهدف إلى تزويد نحو مليون نسمة في المناطق القروية بالماء الصالح للشرب، مساهِمًا في تحسين مستوى العيش وتقليص الفوارق المجالية، كما يشمل التعاون تطبيق برامج فنية متقدمة في الري الذكي والزراعة المستدامة، ما يعزز فعالية استخدام المياه في القطاع الفلاحي.
وتضع «الوكالة الفرنسية للتنمية» (AFD) المغرب في صدارة أولوياتها بمجال الماء، حيث ساهمت في تمويل محطة تحلية مياه البحر بالدار البيضاء، بالإضافة إلى تخصيص 70 مليون يورو لدعم الاستخدام المعقلن لمياه الري، وتحسين قدرة الفاعلين المحليين على مواجهة التغيرات المناخية.
ولتعزيز البُعد البيئي طويل الأمد، تم توقيع خطاب نوايا بين «AFD» و«الوكالة الوطنية للمياه والغابات» «ANEF» بهدف دعم الاستراتيجية الوطنية للغابات 2030، بتمويل يصل إلى 100 مليون يورو ومِنحة إضافية قدرها مليونا يورو، مع التركيز على إدارة الموارد المائية داخل المتنزهات الوطنية.
في السياق نفسه، وقعت الوكالة الفرنسية اتفاقيات مع وزارة التجهيز والماء ووزارة الاقتصاد والمالية لدعم تنفيذ الاستراتيجية الوطنية للمياه، وتعزيز الإدارة المندمجة للموارد المائية عبر تمويلات تناهز 100 مليون أورو.
أما في الأقاليم الجنوبية، فتواصل الوكالة الفرنسية دعم محطة تحلية الداخلة، التي تُعدّ لبنة أساسية ضمن البرنامج الوطني لضمان الأمن المائي. كما تم إنشاء صندوق فرنسي-مغربي لتعزيز التعاون بين الجماعات المحلية، بتمويل قدره 750 ألف أورو يخصص للفترة 2025–2027 لمحاربة الضغط المائي وتعزيز التدبير المستدام.
من جهة أخرى، يدعم صندوق «فريق فرنسا» (FEF) مشاريع مبتكرة، من أبرزها مشروع «MAHDIA» في المغرب، ومبادرات إقليمية مع تونس وموريتانيا لتحسين حكامة الموارد المائية في المدن، مع إشراك النساء كفاعلات أساسيات، بتمويل يقارب مليون يورو.
نحو نموذج ناجع للتعاون المناخي
تبرز هذه الشراكة كمثال يحتذى في مجال الدبلوماسية المناخية، حيث يشكل الماء محورًا استراتيجيًا للتنمية، ويُعدّ التعاون المغربي الفرنسي نموذجًا لما يمكن أن تحققه الشراكات القائمة على النقل التكنولوجي، التمويل المبتكر، والمقاربات المتكاملة، إذ في زمن تتراجع فيه الموارد الطبيعية، تضع الرباط وباريس رهانًا حقيقيًا على بناء مستقبل مائي أكثر استدامة وإنصافًا، بما يضمن حق الأجيال القادمة في الماء والتنمية.


