بينما تتزايد التحديات المرتبطة بالمناخ والموارد الطبيعية، يبدو أن التعاون جنوب – جنوب، كما يجسده المغرب بشراكة مع«منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة» «FAO»، يشكل أحد المفاتيح الأساسية لضمان مستقبل غذائي آمن ومستدام للقارة الإفريقية.
وفي سياق التحولات العميقة التي يعرفها القطاع الفلاحي بالقارة الإفريقية، يرسخ المغرب موقعه كشريك استراتيجي في هذا التعاون، من خلال نموذج متكامل يجمع بين نقل الخبرة والدعم التقني وتعزيز القدرات.
ويجد هذا التوجه، جذوره في دستور 2011 وتعزز مع عودة المملكة إلى الاتحاد الإفريقي سنة 2017، ليتجسد اليوم كرافعة حقيقية لدعم السيادة الغذائية بالقارة، خاصة عبر شراكة ثلاثية تجمع المغرب والـ«FAO» والدول الإفريقية المستفيدة.
وانطلق هذا النموذج الثلاثي، رسميا سنة 2014 بتوقيع اتفاق تعاون بين المغرب والـ«FAO»، يقوم على توزيع واضح للأدوار، إذ يضع المغرب خبرته رهن إشارة شركائه، الفاو تضطلع بدور الوساطة والتنسيق، فيما تحدد الدول المستفيدة أولوياتها وفق احتياجاتها الوطنية.
وأثبتت هذه الآلية نجاعتها، خصوصا في مجالات الإنتاج الحيواني والصحة البيطرية وسلامة المنتجات الغذائية ذات الأصل الحيواني، وهي مجالات حيوية تواجه فيها القارة تحديات بنيوية، من قبيل الأمراض العابرة للحدود وضعف الإنتاجية وإشكالات السلامة الصحية.
وتبرز الخبرة المغربية، التي راكمتها مؤسسات وطنية، وتشمل مجالات التعاون نقل المعرفة في تدبير الأوبئة الحيوانية، وتحديث المجازر، وتعزيز معايير النظافة وسلامة اللحوم، فضلا عن تطوير أنظمة التتبع وضمان جودة المنتجات الغذائية من المصدر إلى المستهلك.
كما يمتد التعاون إلى دعم البناء المؤسساتي، من خلال تكوين الأطر البيطرية، وتأهيل المختبرات، ووضع أطر تنظيمية حديثة لقطاع تربية الماشية، وقد تُرجمت هذه الدينامية في عدد من الاتفاقيات الملموسة مع دول إفريقية، من بينها غينيا وغينيا بيساو ومالي والنيجر وإسواتيني، حيث شملت مجالات متعددة كالإنتاج الحيواني، والابتكار الفلاحي، ورقمنة الإحصائيات الزراعية، وتطوير الأقطاب الفلاحية.
وساهمت مبادرات إقليمية، مثل تعبئة خبراء مغاربة في إطار برامج «الماء والأمن الغذائي بإفريقيا»، في دعم عدة بلدان بغرب وشرق القارة، من بينها السنغال ومالي والنيجر وبوركينا فاسو ومدغشقر.
ويشكل انخراط المغرب في شبكات إقليمية، مثل الشبكة المتوسطية للصحة الحيوانية، التي تضم 15 بلدا، آلية إضافية لتنسيق الجهود في مواجهة الأمراض العابرة للحدود وتعزيز اليقظة الصحية.
ولا يقتصر هذا التعاون،في العمق، على تبادل الخبرات، بل يعكس رؤية استراتيجية تقوم على بناء منظومات فلاحية أكثر صمودا وإنتاجية واستدامة، بحيث أن المملكة ومن خلال هذا النموذج، لا تقدم فقط حلولا تقنية، بل تساهم في إعادة تشكيل مقاربة إفريقية للأمن الغذائي، قائمة على الشراكة والتضامن وتثمين الكفاءات المحلية.

