يستهلك المغربي سنويا 1,9 كلغ من الشاي، وبين 800 و900 غرام سنويا من القهوة، وكما أن «أتاي» يظل سيد المشروبات في المغرب، تواصل القهوة رحلة صعودها الهادئة، مدفوعة بتغير نمط العيش وتوسع المقاهي.
في المغرب الشاي أولا لكن القهوة تطرق الأبواب، بينما يواكب قطاعهما الطلب المتزايد بحرص على عدم الإضرار بالقدرة الشرائية للمستهلكين في ظل تقلبات الأسواق الدولية، وتغير متطلبات الجودة، وتحول أنماط الاستهلاك.
وفي المغرب، الذي لا ينتج الشاي أو البن بحكم موقعه الجغرافي، يتسيد «أتاي» طاولة المشروبات، وتشق القهوة طريقها تدريجياً وسط منافسة قوية وارتفاع غير مسبوق في كلفة الاستيراد بسبب اضطرابات حادة في أسعار المواد الأولية.
«أتاي».. سيد المشروبات
تضع التحولات المناخية المتسارعة، إلى جانب الاضطرابات الجيوسياسية وتذبذب سلاسل التوريد العالمية، الفاعلين في قطاع الشاي والقهوة بالمغرب أمام معادلة دقيقة: كيف يمكن ضمان تزويد منتظم للسوق الوطنية دون المساس بالقدرة الشرائية للمستهلك، في سياق يشهد ارتفاعًا متواصلًا في الأسعار الدولية للمواد الفلاحية.
ورغم هذه التحديات، يواصل الشاي الأخضر ترسيخ مكانته كالمشروب الأول لدى المغاربة، ليس فقط بحكم انتشاره الواسع، بل أيضًا باعتباره مكوّنًا أصيلًا من الهوية الاجتماعية والثقافية للمملكة.
ويبلغ متوسط استهلاك الفرد المغربي نحو 1,9 كيلوغرام من الشاي الأخضر سنويًا، بحجم إجمالي يقارب 70 ألف طن في السنة، ما يضع المغرب في المرتبة الخامسة عالميًا ضمن أكبر الدول المستهلكة للشاي.
ويعتمد المغرب في تزوده من الشاي الأخضر أساسًا على الصين، التي تُعد المورد الرئيسي، حيث تستحوذ المملكة على حوالي 25 في المائة من إجمالي صادرات الصين من الشاي الأخضر، ما يجعلها الزبون الأول عالميًا في هذه الفئة، أما الشاي الأسود، فيُستورد بالأساس من الهند وسريلانكا.
ولا يقتصر حضور الشاي في الحياة اليومية للمغاربة على كونه مشروبًا للاستهلاك، بل يتجاوز ذلك ليجسد طقسًا اجتماعيًا راسخًا، حاضرًا في المنازل، ومناسبات الضيافة، ومختلف لحظات اليوم، بما يعكس عمق ارتباط المجتمع المغربي به كرمز للكرم والتقاليد.
وفي مقابل هذا الثبات، تشهد القهوة صعودًا تدريجيًا داخل المشهد الاستهلاكي الوطني، مدفوعة بتغير أنماط العيش، وتوسع المقاهي العصرية، وانتشار سلاسل القهوة، خاصة في أوساط الشباب وسكان المدن الكبرى.
ورغم أنها لم تنافس بعد الشاي في رمزيته أو حجمه، فإنها تفرض نفسها تدريجيًا كمكوّن جديد في العادات اليومية لشريحة متزايدة من المستهلكين.
القهوة… منتوج يطرق الأبواب
تكشف أحدث بيانات «الجمعية المغربية لمصنّعي الشاي والقهوة» (AMITC) عن قفزة لافتة في أسعار استيراد القهوة، إذ بلغ سعر الكيلوغرام الواحد 43,78 درهماً مع نهاية نونبر 2024، بزيادة تفوق 38% مقارنة بالفترة نفسها من سنة 2023. وهو مستوى يعكس الضغط الذي فرضته الأسواق الدولية على سلسلة التزويد الوطنية.
وفي الفترة الممتدة بين يناير ونونبر 2024، استورد المغرب أكثر من 51 ألف طن من القهوة، بقيمة 2,27 مليار درهم، مقابل 1,41 مليار درهم سنة قبلها، وهذا ما يعني أن فاتورة الاستيراد ارتفعت بقوة رغم محدودية نمو الاستهلاك.
ويفسَّر هذا المنحى بالارتفاع المتواصل في الأسعار العالمية، فـ«الأرابيكا» بلغت 6.700 دولار للطن في نونبر 2024، وهو أعلى مستوى منذ 1997، بينما وصلت الــ«روبوستا» إلى 5.000 دولار للطن، في مستوى غير مسبوق منذ 45 عاماً.
وترجع «AMITC» هذا الارتفاع إلى عوامل متشابكة بين اضطرابات مناخية في البرازيل وفيتنام، وموجة تضخم عالمية، وارتفاع تكاليف النقل والتغليف، وهو ما يجعل «انخفاض الأسعار في المدى القريب أمراً مستبعداً»، بحسب تقدير الجمعية.
ولا يزال استهلاك القهوة محدوداً بالمقارنة مع دول الجوار، إذ يستهلك المغربي ما بين 800 و900 غرام سنوياً فقط، أي أقل من التونسي (1,5 كيلوغرام) والجزائري (حوالي 3 كيلوغرامات).
ورغم انتشار المقاهي واتساع أنماط الحياة الحضرية، يظل الطلب الداخلي بعيداً في الأمد المنظور عن بلوغ مستويات تتيح إقلاعاً قوياً لصناعة القهوة.
ويستورد المغرب القهوة من مصادر متنوعة فالقهوة غير المحمصة تأتي أساسا من البرازيل، وكولومبيا، وكوستاريكا، وساحل العاج..، بينما تستورد القهوة المحمصة من إسبانيا، وإيطاليا، وفرنسا وهولندا.
وفي الوقت الذي يواصل فيه الطلب على القهوة منحاه التصاعدي، تفرض موجة الغلاء العالمي على الفاعلين المغاربة البحث عن توازن صعب بين حماية القدرة الشرائية للمستهلك وضمان استدامة سلاسل التوريد.
سوق غير مهيكل كفاية… وإصلاحات لتعزيز التنافسية
الصناعيون المغاربة هم صارمون في مراقبة الجودة، لكنهم لا يملكون أي سلطة على الأسعار، إنها حقيقة تنجلي عند البحث في حيثيات سوق القهوة والشاي، لا لشيء سوى لأنها تخضع لتقلبات الأسواق الدولية.
ولعل الارتفاع الحاد في الأسعار العالمية للقهوة فرضته موجة الجفاف في البرازيل، التي تؤمّن نحو 30 في المائة من الإنتاج العالمي، وهو ما جعل ثمن القهوة الخضراء يقفز بنسبة 50 في المائة سنة 2024 مقارنة بـ2023.
ولمواجهة هذه التقلبات، لجأ الصناعيون المغاربة إلى تنويع مصادر التوريد والبحث عن منشآت بديلة بأسعار أكثر تنافسية، مع محاولة امتصاص جزء من الزيادات لتفادي التأثير المباشر على المستهلك.
ورغم دينامية السوق، يعترف الفاعلون في قطاع القهوة بالمغرب أنه ما يزال غير مهيكل بشكل كافٍ، سواء على مستوى التحميص التقليدي أو ضبط جودة المنتوجات المتداولة في السوق.
ومن هذا المنطلق قدمت جمعية «AMITC» مجموعة من المقترحات للإصلاح، أبرزها تخفيض الرسوم الجمركية على الشاي السائب من 25% إلى 2,5%، بغاية تشجيع التحويل المحلي عبر مصانع التعبئة والتغليف، وخلق قيمة مضافة وطنية، وتوفير مناصب شغل مباشرة وغير مباشرة.
ثم تخفيض الرسوم الجمركية على القهوة الخضراء من 10% إلى 2,5%، لخفض كلفة الإنتاج وتعزيز تنافسية القهوة المغربية المحمّصة مقابل القهوة الأوروبية المستوردة برسوم صفرية في إطار اتفاقيات التبادل الحر.
ويسود الاعتقاد لدى هذا التنظيم المهني أن هذه الإصلاحات تندرج في روح النموذج التنموي الجديد، الداعي إلى تقليص تبعية المغرب للمنتجات الجاهزة وتشجيع الإنتاج الوطني.
أيضا وفي ظل الدينامية التي تشهدها الأقاليم الجنوبية، خصوصا مع مشروع ميناء الداخلة الأطلسي، تتطلع الجمعية إلى التموقع في الأسواق الإفريقية غير الساحلية، عبر تعزيز تصدير منتجات الشاي والقهوة المغربية، واغتنام فرصة حقيقية للصناعة المغربية لتوسيع أسواقها، والاستفادة من الموقع الجغرافي للمغرب وشبكة علاقاته التجارية مع إفريقيا.


