تشير خلاصات تقرير «مستجدات الأمن الغذائي والتغذية في العالم»، الصادر عن البنك الدولي، إلى أن منظومة الأمن الغذائي العالمي تدخل مرحلة أكثر تعقيدا، بفعل تداخل عوامل جيوسياسية واقتصادية ومناخية متشابكة.
ورغم هذا السياق الدولي المضطرب، يبرز المغرب ضمن دول منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا التي نجحت في الحفاظ على مستوى نسبي من الاستقرار الغذائي، مستفيدا من تحسن التساقطات المطرية وانتعاش الظروف المناخية بالمناطق الفلاحية، ما انعكس إيجابا على آفاق الموسم الزراعي 2025-2026.
في المقابل، تواصل الأسواق العالمية تسجيل تقلبات واضحة، إذ شهدت أسعار المواد الغذائية تراجعاً خلال سنة 2025 قبل أن تدخل مرحلة من عدم التوازن مع مطلع 2026.
ويعزى هذا التحول أساسا إلى التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط، التي أثرت على سلاسل الإمداد، خاصة ما يتعلق بتدفقات النفط والأسمدة عبر مضيق هرمز، وهو ما يهدد برفع كلفة الإنتاج والنقل، وبالتالي أسعار الغذاء.
وتُظهر معطيات التقرير أن أسعار الحبوب والمنتجات الزراعية حافظت على استقرار نسبي في بداية 2026، رغم تسجيل زيادات في القمح والذرة والأرز، مقابل تراجع أسعار منتجات أخرى كالقهوة والكاكاو، في مؤشر يعكس حالة من التذبذب وعدم اليقين في الأسواق الدولية.
كما تفيد البيانات بأن نحو 50 دولة سجلت معدلات تضخم غذائي تفوق 5 في المائة خلال الربع الأول من 2026، مع تجاوز أسعار الغذاء لمعدلات التضخم العام في أكثر من نصف دول العالم، ما يزيد من الضغط على القدرة الشرائية للأسر.
وعلى المستوى الإقليمي، يصنف التقرير وضعية الأمن الغذائي في المغرب إلى جانب الجزائر وتونس ضمن خانة «الاستقرار النسبي»، وهو توصيف يرتبط أساسا بتحسن التساقطات خلال الموسم الفلاحي الجاري، ما وفر شروطا أفضل للإنتاج، خصوصاً في المناطق الزراعية الرئيسية.
غير أن هذا الاستقرار يخفي تفاوتات حادة داخل المنطقة، حيث تواجه دول مثل اليمن وسوريا ولبنان أوضاعاً غذائية مقلقة، مع ارتفاع نسب السكان الذين يعانون من انعدام الأمن الغذائي بمستويات متفاوتة.
ويحذر التقرير من أن الوضع في المغرب يظل مرتبطا بالتقلبات الدولية، خاصة في ظل استمرار التوترات الجيوسياسية، وما قد تفرزه من ارتفاع في أسعار الطاقة والأسمدة وتكاليف النقل، وهي عوامل قد تنعكس بشكل مباشر على كلفة الإنتاج الزراعي وأسعار المواد الغذائية.
وفي هذا السياق، سجلت أسعار الأسمدة ارتفاعا لافتا، حيث قفزت أسعار الـ«يوريا» بنحو 46 في المائة بين فبراير ومارس 2026، ما ينذر بزيادة الضغوط على الإنتاج الفلاحي، خاصة في البلدان المعتمدة على الاستيراد.
وعلى الصعيد العالمي، يؤكد التقرير أن النزاعات والصدمات المناخية تظل المحرك الرئيسي لتفاقم انعدام الأمن الغذائي، لا سيما في شرق وجنوب إفريقيا، حيث يعاني أكثر من 87 مليون شخص من نقص حاد في الغذاء، إضافة إلى غرب ووسط إفريقيا، التي يُتوقع أن يتجاوز عدد المتضررين فيها 52 مليون شخص بحلول منتصف 2026.
وفي ضوء هذه المعطيات، ترجح التوقعات ارتفاعا معتدلا في أسعار الغذاء العالمية خلال الأشهر المقبلة بنحو 3.1 في المائة، وفق تقديرات نظام معلومات الأسواق الزراعية، ما يعكس استمرار حالة عدم اليقين، ودخول الأسواق مرحلة جديدة من التقلبات، قد يكون لها أثر متفاوت على الدول المستوردة للغذاء، ومن بينها دول المنطقة.
