الطاقات المتجددة في المغرب.. خلع للتبعية وتعزيز للتنافسية ووفاء للبيئة

الطاقات المتجددة في المغرب.. خلع للتبعية وتعزيز للتنافسية ووفاء للبيئة

الورد العطري.. توقع إنتاج 4800 طن سنة 2025
«Grain and Milling Expo 2025».. الدار البيضاء تحتضن الحدث المرجعي لسلاسل الحبوب والمطاحن في المغرب
حاجيات الأبناك من السيولة بلغت 129,8 مليار درهم

هل نستطيع تخيل عالمنا الذي يتحرك ويتغير باستمرار، بدون كهرباء؟ مستحيل، فبدون الكهرباء سيغدو ليلنا ظلاما وسيتحول تواصلنا إلى عزلة.

ومن إضاءة المنازل وإنارة الطرقات، وتشغيل الأجهزة الكهربائية والإلكترونية، ومختلف وسائل النقل الحديثة وشبكات الاتصالات تلح الحاجة للكهرباء أكثر من أي وقت مضى.

كل بلد يسعى لتأمين حاجياته من الكهرباء، وفي المغرب، الفقير للموارد التقليدية، تبزغ أهمية “السيادة الطاقية” والوفاء بتعهداته في المنتظم الدولي.

لسان حال المغرب يقول إنه فقير إلى المصادر الطاقية التقليدية، ولتأمين حاجياته من الكهرباء اعتمد لعقود على مصادر طاقية أحفورية مثل الوقود المعروف بـ”الفيول” والغاز الطبيعي والفحم الحجري.

فواتير طاقية ثقيلة

على مدى عقود طويلة تحمل المغرب فواتير طاقية ثقيلة، وفي السنوات الأخيرة، شرعت تنخفض تدريجيا، إذ بلغت الفاتورة الطاقية 114 مليار درهما في 2024، و122 مليار درهم في 2023، بينما وصلت إلى 153,2 مليار درهم في 2022.

وبصرف النظر عن الانخفاض النسبي في قيمة الفواتير الطاقية، يظل المغرب تابعا للخارج من أجل التزود بمصادر طاقية ينتج منها الكهرباء، وغالبا ما أدى الثمن غاليا، إذ كان ولا يزال يرهن مصيره بتقلبات أسعار الأسواق الدولية لمصادر الطاقة الأحفورية.

لكن، المغرب لا يقف مكتوف الأيدي، فهو يسعى لإيجاد بدائل لإنتاج الكهرباء، والسعي الخيار وليد الصدفة فلم يكن وليد اللحظة، فمنذ سبعينيات القرن الماضي، جرى اللجوء إلى السدود للحصول على الكهرباء عبر ما يعرف بـ”الطاقة الهيدروليكية”.

وفيما عصفت التغيرات المناخية بالعالم ورمت بآثارها على بلادنا، التي عاشت سنين عجاف، انبثق التفكير في بدائل أخرى، بعدما اخفضت حقينة السدود بفعل النمو الديمغرافي وارتفاع استهلاك الماء.

وفي ظل هذا الواقع المرير، جاء الحل على يد صاحب الجلالة الملك محمد السادس، الذي أطلق استراتيجية وطنية طاقية، في 2009، قوامها اعتماد مقاربة استباقية تروم تنويع مصادر الطاقة، واعتماد الطاقات المتجددة في المزيج الطاقي للمملكة.

ويتمثل مضمون الاستراتيجية الوطنية الطاقية، وفق التصور الملكي السامي، في استغلال مكامن ومصادر الطاقة الطبيعية في المغرب، حيث تتراوح مدة إشراق الشمس على عموم التراب الوطني بين 2700 ساعة في الشمال و3500 ساعة في الجنوب.

كل هذا جعل الشمس تفرض نفسها كمصدر دائم للطاقة، يكفل الحصول على كهرباء خضراء بتكلفة أقل، وهو أمر من شأنه أن يحقق في ضربة واحدة “السيادة الطاقية” للمغرب ومعها تعزيز تنافسية الاقتصاد الوطني ومن ثمة تحقيق “السيادة الصناعية”.

بدائل طاقية.. “ضربة معلم”

إنها “ضربة معلم”، هكذا يجوز وصف المبادرة الملكية، التي تبلورت عبر إحداث “الوكالة المغربية للطاقة الشمسية”، قبل نسخها بـ”الوكالة المغربية للطاقة المستدامة”، “Masen”، كما أن المملكة انضمت في 2015 إلى “الوكالة الدولية للطاقة المتجددة.

ولم يقف الأمر عند حد تقعيد المؤسسات وترتيب التوجه الطاقي الجديد للمملكة، بل تعداه لتبزغ في أرض المغرب أكبر مزرعة لحصاد أشعة الشمس، حملت اسم مركب “نور وارزازات”، الذي انطلق العمل به منذ 2016.

ولم يكن اختيار ضواحي مدينة وارزازات وغير بعيد عن سد “المنصور الذهبي”، لاحتضان هذا المشروع الوطني الاستراتيجي، اعتباطيا، بل جاء بعد الوقوف على معدل التشميس السنوي في هذه المنطقة والذي يصل إلى 320 يوم.
وفي هذه المحطة، الممتدة على مساحة تقدر بـ3042 هكتار، وتتجاوز مساحة مدينة “سان فرانسيسكو” الأمريكية، تستوطن نصف مليون من المرايا والألواح الشمسية لتجسد مشروعا طموحا للاستفادة من الشمس كطاقة متجددة وصديقة للبيئة.

وفي محطتي “نور 1″ و”نور 2” الحراريتين، جرى بسط حقول شاسعة من المرايا الصناعية العاكسة التي تتبع مسار الشم س في السماء، على مدار اليوم من الشروق حتى الغروب، من أجل حصاد أكبر قدر من أشعة هاذ المصدر الطاقي المستدام.

وبينما تعتمد محطة “نور 3” الحرارية، على انعكاس أشعة الشمس من ألواح خاصة تعكسها إلى قمة برج قهيب، فإن المحطة الرابعة في “مركب نور”، تعتمد التقنية الكهروضوئية، والتي يرمز إليها بـ”PV” أي ” Photovoltaique”.

وتعد المحطة “الكهروضوئية” حلقة من سلسلة ثلاثية من المحطات الكهروضوئية في المغرب، فضلا عن محطتي “نور العيون” و”نور بوجدو” اللتان تنتجان على التوالي 80 و20 ميغاوات من الكهرباء الخضراء.

الطاقة الريحية.. رياح التغيير

فضلا عن الشمس، هناك الرياح التي تهب على مرتفعات المغرب وواجهاته البحرية، واغتناما منه لهذا المصدر الطاقي الدائم والمجاني، استطاع المغرب تحقيق قدرة مركبة تبلغ 1,29 جيغاوات، متم 2023، مع طموح لبلوغ 5 جيغاواط بحلول 2030.

وشهدت مساهمة الطاقة الريحية، في إجمالي إنتاج الكهرباء المتجددة في المغرب نموا مذهلا، وقد ارتفعت من 37.4%، في عام 2022، إلى 71% في عام 2023، وهو ما جعل الطاقات المتجددة تمثل أكثر من 40 في المائة من المزيج الطاقي للمملكة.

وما جرى الإعلان عنه مؤتمر الأمم المتحدة الثالث للمحيطات (UNOC3)، بمدينة “نيس” الفرنسية شهر مارس 2025، يؤكد أن المغرب ماض في طريقه لرفع مساهمة الطاقة المتجددة إلى 52% من مزيج الكهرباء الوطني بحلول عام 2030.

ويخطط المغرب لإطلاق أول محطة رياح بحرية في تاريخه، والتي ستكون أيضًا الأولى من نوعها على مستوى القارة الإفريقية، والتي من المرتقب أن تنطلق أشغال بنائها بحلول عام 2029.

ووقع الاختيار على ساحل الصويرة لاحتضان المحطة الريحية البحرية، لما يتميز به من رياح بحرية قوية ودائمة، بمتوسط سرعة يبلغ 11 مترًا في الثانية، وهو ما سيضمن مردودية فنية عالية في إنتاج الكهرباء ويعزز الجدوى الاقتصادية للاستثمار.

ويمثل مشروع الصويرة تحولًا نوعيًا في المسار الطاقي، فبدلا من التركيز فقط على الطاقة الشمسية والرياح البرية، يعد مفتاحا لمجال الرياح البحرية، مما يعزز من ريادة المملكة إقليميا ويعكس نضجًا استراتيجيًا في إدارة مواردها المتجددة.

“ثورة طاقية” ووفاء بالتعهدات

يشهد المغرب “ثورة طاقية” غير مسبوقة، يقودها صاحب الجلالة الملك محمد السادس، الذي أصدر تعليماته السامية بالعمل على الزيادة في حصة الطاقة المتجددة في مزيج الطاقة بحوالي 52 في المائة بحلول عام 2030.

وكما يتطلب بلوغ هذا الهدف استثمارات هائلة في مشاريع الطاقة المتجددة، جرى التخطيط لإخراج “نور ميدلت” إلى أرض الوجود، لتكون أول محطة هجينة لإنتاج الكهرباء في العالم، بقدرة إنتاج تصل إلى 1600 ميغاواط.

والأكيد أن منافع “الثورة الطاقية” بالمغرب، تتخطى تحقيق “السيادة الطاقية” لتعم الاقتصاد الوطني بشكل يزيد من تنافسيته، ويكسبه سمة الصمود لتخطي تحديات نموه السريع، من جهة ثم الوفاء بالالتزامات الخارجية فيما يخص المحافظة على البيئة من جهة أخرى.

ويمر تعزيز تنافسية الاقتصاد الوطني، وتحقيق ما يعرف بـ”السيادة الصناعية” وجوبا من التقليل من كلفة إنتاج الكهرباء، بالاعتماد على مصادر طاقية مستدامة ومجانية مثل الطاقة الشمسية أو الطاقة الريحية.

وينسجم الاعتماد على طاقات صديقة للبيئة مثل الطاقة الشمسية، للحصول على كهرباء خضراء، مع تقيد المغرب بالمواثيق والمعاهدات الدولية، بما يمكنه من المحافظة على مكانته كشريك للعديد من المجموعات الاقتصادية يتقدمها الاتحاد الأوربي.

وسطر الاتحاد الأوربي، برنامجا مناخيا خاصا، من أجل التقليص من انبعاثات الكاربون بنسبة 55 في المائة في أفق 2030، وأطلق مجموعة من الإجراءات، تحت مسمى حزمة 55 أو ما يعرف بـ(Fit for 55).

ويروم الاتحاد الأوربي تحقيق ما يعرف بالحياد المناخي أو التقليص من انبعاثات غازات الاحتباس الحراري، عبر سن ضريبة قد تصل لـ50 أورو على كل 1 طن من المنتوجات التي يجري إنتاجها دون الاعتماد على كهرباء خضراء.