رغم التحسن اللافت الذي سجلته مخزونات السدود خلال الموسم الحالي، يواصل المغرب تسريع إصلاحاته في قطاع الماء استعدادا لتحديات مناخية تزداد حدة، في ظل استمرار الإجهاد المائي وارتفاع الطلب على الموارد المائية. فبحصة سنوية لا تتجاوز نحو 620 مترا مكعبا للفرد، يصنف المغرب ضمن الدول التي تعاني ندرة مائية هيكلية.
وفيما ارتفع الطلب على المياه بمتوسط 3 في المائة سنويا منذ سنة 2016، مدفوعا بالنمو السكاني والتوسع الاقتصادي والاحتياجات المتزايدة للقطاع الفلاحي، فقد أدى توالي سنوات الجفاف إلى استنزاف عدد من الفرشات المائية وتراجع جودة الموارد المائية بفعل الاستغلال المفرط والتلوث.
ورغم أن نسبة ملء السدود بلغت حاليا 72,9 في المائة، أي ما يقارب ضعف المستوى المسجل خلال الفترة نفسها من السنة الماضية، فإن المؤشرات تؤكد بداية تراجع الواردات المائية مع ارتفاع الاستهلاك الصيفي، ما يعكس استمرار هشاشة التوازن المائي وضرورة تعزيز قدرة المملكة على التكيف مع التقلبات المناخية.
وأطلق المغرب، بشراكة مع عدد من المؤسسات المالية الأوروبية، برنامجا جديدا لدعم صمود قطاع الماء أمام آثار التغير المناخي، يرتكز على تمويل يفوق 347 مليون أورو، يشمل ثلاثة قروض سيادية بقيمة 100 مليون أورو لكل من «الوكالة الفرنسية للتنمية»، و«بنك التنمية الألماني»، ومؤسسة «Cassa Depositi e Prestiti» الإيطالية، إضافة إلى منحة من الاتحاد الأوروبي بقيمة 46.9 مليون أورو ومنحة تكميلية من «الوكالة الفرنسية للتنمية».
ويخصص الجزء الأكبر من هذا التمويل، بقيمة 327 مليون أورو، لمواكبة الإصلاحات والسياسات العمومية في قطاع الماء، بينما توجه الموارد المتبقية إلى الدعم التقني، وإنجاز الدراسات، وتطوير أنظمة التتبع، وإطلاق مشاريع نموذجية، وتعزيز قدرات المؤسسات المكلفة بتدبير الموارد المائية.
ويأتي هذا البرنامج استجابة لتوقعات مناخية مقلقة تشير إلى احتمال ارتفاع متوسط درجات الحرارة بالمغرب بنحو 2,3 درجات مئوية في أفق سنة 2060، مع تسجيل حوالي 30 يوما إضافيا من موجات الحر سنويا، مقابل تراجع متوسط التساقطات بنسبة 17 في المائة قد تصل إلى 40 في المائة خلال فصل الصيف، وهو ما يهدد بتفاقم موجات الجفاف والفيضانات ويزيد الضغط على الموارد المائية.
ويرتكز البرنامج على أربعة محاور رئيسية تشمل تعزيز المعرفة بالموارد المائية، وتطوير أنظمة تدبير مخاطر الجفاف والفيضانات، وحماية الموارد المائية والتنوع البيولوجي، إلى جانب ضمان الاستغلال المستدام للمياه الجوفية عبر مراقبة الاستغلال، وإعادة تغذية الفرشات، وتوسيع إعادة استعمال المياه العادمة المعالجة في الفلاحة، كما يتضمن مواكبة تقنية تمتد لخمس سنوات، مع اعتماد منظومة متكاملة للتتبع والتقييم، وتنفيذ برامج للتكوين وتقوية قدرات مختلف المتدخلين في قطاع الماء.
ويعكس هذا البرنامج توجها متزايدا نحو الانتقال من تدبير أزمات ندرة المياه إلى بناء نموذج أكثر مرونة واستدامة، يربط بين الاستثمار في البنيات التحتية، وتحديث الحكامة، وتطوير أدوات التكيف مع التغيرات المناخية، بما يعزز الأمن المائي للمملكة ويحافظ على الموارد الضرورية للتنمية الفلاحية والاقتصادية.
