لم تعد تربية الماشية في المغرب مجرد نشاط فلاحي تقليدي، بل تحولت إلى رهان يومي يختبر قدرة المنظومة الفلاحية على الصمود في مواجهة الجفاف والتغيرات المناخية.
وتبرز تجربة الضيعة التجريبية التابعة لـ«جامعة محمد السادس متعددة التخصصات التقنية» (UM6P)، بمنطقة الرحامنة كنموذج عملي يجسد كيف يمكن للعلم أن يتحول إلى حلول ميدانية لفائدة المربين.
على مساحة تمتد على 110 هكتارات، تحتضن هذه الضيعة منصة بحثية وبيداغوجية متقدمة، لا تكتفي بإنتاج المعرفة، بل تعمل على تحويلها إلى ممارسات قابلة للتطبيق في الضيعات الفلاحية، إذ لا يختبر القرار التقني في المختبر فقط، بل يقاس أثره مباشرة على الأرض، في علاقة يومية مع واقع الكسابة وتحدياتهم.
في قلب هذا النموذج، يبرز العمل على تطوير سلالات حيوانية قادرة على التأقلم مع الإجهاد المناخي، وعلى رأسها سلالة «الدمان»، التي تتميز بخصوبتها العالية وقدرتها على الإنتاج في ظروف صعبة، ما يجعلها أحد مفاتيح المستقبل بالنسبة للمناطق الهشة.
ولا يقتصر الرهان على السلالات، بل يمتد إلى تأمين العلف، عبر تطوير محاصيل علفية مقاومة للجفاف، قادرة على ضمان استمرارية القطيع وتعزيز استقلالية المربين.
كما تشمل هذه المقاربة منظومة الدواجن، حيث يتم اختبار سلالات عالمية مثل الـ«ليجهورن» الإيطالي والـ«أسترالوب» الأسترالي، بهدف الحفاظ على مستويات الإنتاج رغم تقلبات المناخ. وهي مقاربة شمولية تعكس تحولا عميقا في التفكير الفلاحي، يقوم على الاستباق بدل رد الفعل.
وما يميز هذه التجربة ليس فقط ما يجري داخل الضيعة، بل ما يخرج منها نحو الميدان، إذ كل تجربة، وكل معطى علمي، يتحول إلى حل عملي ينقل إلى الفلاحين، من الرحامنة إلى مختلف مناطق المغرب، في إطار رؤية تسعى إلى بناء فلاحة أكثر صمودا واستدامة.
