تعكس الانتعاشة التي عرفتها الوضعية المائية بالمملكة خلال الأسابيع الأخيرة أكثر من مجرد تحسن ظرفي في نسب ملء السدود، إذ تمثل مؤشرا مهما على عودة الدورة الهيدرولوجية إلى الاشتغال بعد سنوات من الضغط غير المسبوق، ببلوغ نسبة ملء تناهز 47,8 في المائة، بما يعادل احتياطيا يفوق 8 مليارات متر مكعب.
الأهمية النوعية لهذه التساقطات تكمن في التوزيع الجغرافي للمخزون المائي بالمغرب، مع امتلاء عدد من السدود الكبرى والصغرى بنسبة 100 في المائة، خاصة في أحواض الشمال والوسط، بما يعكس تحسنا فعليا في قدرة هذه المجالات على استعادة جزء من توازنها المائي، بعد سنوات من الاستنزاف.
ويمنح تسجيل حوض أبي رقراق لنسبة تفوق 95 في المائة، واقتراب سد سيدي محمد بن عبد الله من الامتلاء الكلي، هامشا مريحا لتأمين تزويد محور الرباط – الدار البيضاء بالماء الشروب، ويخفف الضغط عن المنظومات البديلة التي جرى تفعيلها خلال فترات الجفاف.
كما أن الامتلاء شبه الشامل لعدد من سدود اللوكوس وتنسيفت وسبو يعيد الاعتبار للدور المركزي لهذه الأحواض في دعم الفلاحة السقوية، وتأمين سلاسل إنتاج استراتيجية مرتبطة بالخضر والفواكه والأعلاف.
لكن القراءة التحليلية لهذه المعطيات تفرض تجاوز منطق الارتياح السريع، لأن الامتلاء الحالي لا يلغي هشاشة المنظومة، بقدر ما يؤكد على أنها رهينة انتظام التساقطات وقدرة الأحواض على التخزين والتدبير.
وفي الجنوب، حيث يشكل الماء المحدد الأول للتنمية، يكتسي بلوغ حوض سوس ماسة عتبة تفوق 50 في المائة دلالة خاصة، بالنظر إلى ما عرفه من ضغط حاد على الفرشات المائية وتراجع مستمر في حقينة السدود.
ويفتح وصول سدود أولوز ومولاي عبد الله وأهل سوس إلى طاقتها القصوى الباب لإعادة ترتيب أولويات السقي، ويمنح فرصة لتخفيف الضغط عن الموارد الجوفية، إذا ما تمت مواكبته بحكامة دقيقة في التوزيع والاستعمال.
في المقابل، تظل الخريطة المائية الوطنية غير متجانسة، بالنظر إلى استمرار حوض أم الربيع في تسجيل أضعف نسبة ملء، رغم بعض مؤشرات التحسن، بما يفيد بأن جزءا من العمق الفلاحي للمملكة لا يزال خارج منطق التعافي الحقيقي.
هذا الأمر يعني أن الرهان لم يعد محصورا في مستوى الحقينات، بل في قدرة السياسات المائية على تقليص الفوارق بين الأحواض، وتسريع الانتقال من تدبير يقوم على تخزين المياه إلى نموذج أكثر تكاملا يربط بين تحلية المياه، وإعادة استعمال المياه العادمة، وحماية الفرشات، وترشيد الطلب الفلاحي.
وفيما تشكل التساقطات التي عرفتها المملكة رافعة أساسية لتأمين الماء الشروب وتعزيز الموسم الفلاحي، فإنها في الوقت نفسه تعد اختبارا حقيقيا لمدى قدرة المنظومة الوطنية على استثمار فترات الوفرة المؤقتة لإعادة بناء الأمن المائي على أسس مستدامة، بما يقلب المعادلة من كم هطل من المطر؟ إلى كيف سيحول المغرب هذه الانتعاشة إلى فرصة لإصلاح عميق في تدبير الماء.


