بالنسبة إلى المغرب، تطرح قمة «Sommet de l’Élevage 2026» المنعقدة قرب «Clermont-Ferrand» الفرنسية سؤالا يتجاوز اكتشاف السلالات والمعدات، يتعلق بكيفية الاستفادة من الخبرة الفرنسية لإعادة بناء قطيع الأبقار، وتأمين إنتاج الحليب واللحوم في ظل الضغط على الماء والأعلاف؟
وبين حاجيات السوق وإكراهات المربين، تبرز أهمية تعاون ينقل المعرفة إلى الضيعات، ويربط اختيار الحيوانات بقدرة الاستغلاليات على تغذيتها والحفاظ على إنتاجيتها، إذ تكشف المعطيات الرسمية حجم التحدي، وقد أحصى المغرب، خلال صيف 2025، نحو 2,09 مليون رأس من الأبقار، مقابل مستوى معتاد يتراوح بين ثلاثة ملايين و3,2 ملايين رأس.
وأرجعت وزارة الفلاحة والصيد البحري والتنمية الفروية والمياه والغابات، هذا التراجع، الذي قدرته بنحو 30 في المائة، خصوصا إلى انخفاض أعداد الأبقار الحلوب، في سياق تأثر القطاع بقيود جائحة «COVID-19» وتوقف الري في بعض المدارات السقوية. وهذه حصيلة مؤرخة بسنة 2025، وليست إحصاء جديدا لوضع القطيع في أكتوبر 2026.
وتستدعي قراءة هذه الأرقام التمييز بين مجموع الأبقار والقطيع المنتج للحليب أو المخصص لإنتاج اللحوم، فالإحصاء المذكور لا يقدم توزيعا تفصيليا يسمح بتحديد حجم الخصاص في كل فئة على حدة، كما أن الإناث المحصاة ليست كلها أبقارا حلوبا قيد الإنتاج، ومع ذلك، فإن تراجع القاعدة الحيوانية يضع إعادة تكوين القطيع في صلب النقاش حول استدامة السلسلتين.
وتعد «Sommet de l’Élevage 2026» فرصة عملية للاطلاع على الخبرة الفرنسية، فالتظاهرة متخصصة، ضمن مجالاتها، في وراثة أبقار الحليب وأبقار اللحوم بالمناطق الجبلية والصعبة، وتنظم للزوار الدوليين زيارات إلى ضيعات ومواقع للصناعات الفلاحية، وتكمن قيمة هذه الزيارات في معاينة شروط الإنتاج وتكاليفه وأساليب تدبيره، بما يساعد على تقييم ما يمكن نقله إلى المغرب.
ويبرز التحسين الوراثي بوصفه أحد مجالات الاستفادة، شريطة ربطه بواقع كل منطقة، على أن المطلوب بالنسبة إلى المربي المغربي هو حيوان يحقق مردودية اقتصادية ضمن الموارد المتاحة، مع مراعاة الخصوبة والمتانة وطول العمر الإنتاجي.
وأبرزت معطيات منشورة بمناسبة المعرض الدولي للفلاحة بمكناس 2026 «SIAM» حضور هذا التوجه بالمغرب، من خلال الجمع بين تطوير الإنتاج والحفاظ على السلالات المحلية المتأقلمة، ومنها «أولماس زعير»، إلى جانب الاستفادة من سلالات ذات قدرات إنتاجية مرتفعة.
ويمكن أن تتجه الشراكات نحو برامج انتقاء وتلقيح اصطناعي ومتابعة للنتائج داخل الضيعات المغربيةK في الحليب، يستحق اختيار الأبقار تقييم كمية الإنتاج وجودته وتكلفة التغذية والقدرة على الاستمرار في التناسل. وفي اللحوم، يمكن بحث تحسين النمو وجودة الذبائح، مع حماية الإناث اللازمة لتجديد القطيع. وهذه مسارات مقترحة للاستفادة من الخبرة المعروضة، يتوقف نجاحها على تجارب محلية وقياس نتائجها التقنية والاقتصادية.
وتطرح السلالات مزدوجة الغرض مجالا آخر للدراسة. فالـ«Monbéliard»، التي تجمع بين إنتاج الحليب واللحم، حاضرة بالفعل لدى مربين مغاربة، ويمكن تقييم دورها ضمن أنظمة إنتاج محددة، على أساس مردودية الحليب وقيمة العجول وتكاليف التربية، دون افتراض أن سلالة واحدة تصلح لجميع الضيعات والمناطق.
لكن إعادة البناء تمر أيضا عبر تأمين غذاء القطيع. وتوفر أعمال المعهد الفرنسي لتربية المواشي L’Institut de l’Élevage» (Idele)» بشأن الاستقلالية الغذائية والتكيف المناخي أرضية لتبادل الخبرة في تدبير الأعلاف والمراعي وتكييف مباني التربية مع الحرارة.
وبالنسبة إلى المغرب، يمكن ترجمة هذا التعاون إلى تجارب تقيس إنتاجية الأعلاف قياسا إلى استهلاك الماء، وتحسين حفظها، وضبط الحصص الغذائية وكلفة كل لتر حليب أو كيلوغرام من اللحم.
كما يحضر التكيف مع الحرارة وتغير المناخ ضمن برنامج القمة، عبر لقاءات تتناول راحة الأبقار الحلوب داخل المباني والرعي في مناخ متغير، وهي موضوعات تفتح أمام المهنيين المغاربة مجالا لتقييم حلول ملائمة لحجم استغلالياتهم، من تصميم الحظائر إلى تدبير الرعي، على أن يخضع اعتمادها لجدواها في الظروف المحلية.
ولتحويل هذه الفرص إلى نتائج، يمكن تصور شراكات تقوم على ضيعات نموذجية بالمغرب، وتكوين التقنيين والمربين، ومواكبة تمتد لعدة مواسم، ويكون الحكم عليها بمؤشرات واضحة تتجسد في تحسن الخصوبة، وانخفاض خسائر العجول، وتراجع كلفة التغذية، وتحسين دخل المربي.
