تسعون دقيقة في الملعب وعقود في الطاقة.. المغرب ونيجيريا بين الكرة والغاز

تسعون دقيقة في الملعب وعقود في الطاقة.. المغرب ونيجيريا بين الكرة والغاز

عماد غماد يخلف حسن منير على رأس «الفيدرالية البيمهنية المغربية للسكر»
مجلة أمريكية تبرز التقدم التكنولوجي لطاقة الأمواج في المغرب
«كوسومار» في قلب برنامج «الجيل الرياضي» لدعم المدرسة القروية ببني ملال

في الوقت الذي تتجه فيه أنظار ملايين الأفارقة إلى المستطيل الأخضر، حيث يلاقي المنتخب المغربي نظيره النيجيري في نصف نهائي كأس أمم إفريقيا، مساء الأربعاء 14 يناير 2026، لا يبدو المشهد مجرد مباراة في كرة القدم، بل لحظة رمزية مكثفة تختزل وجها آخر من وجوه القارة.

إنه تنافس قوي ذلك الذي سيشهده الملعب بين «أسود الأطلس» و«نسور نيجيريا»، لكن يقابله خارج خطوط التماس مشروع شراكة عملاق، يتقدم بهدوء ولكن بثبات.. أنبوب الغاز نيجيريا المغرب.

في المدرجات، ستعلو الهتافات وتتشابك الأعلام وتحتدم المشاعر، كل منتخب سيدافع عن حظوظه، وكل جمهور سيحلم بالكأس، لكن خلف هذا التنافس المشروع، هناك قصة أخرى تكتب بصيغة مختلفة، لا تقوم على هز الشباك بل على ربط الدول، ولا تقاس بالأهداف بل بالكيلومترات، ولا تراهن على تسعين دقيقة بل على عقود من التحول الاقتصادي والجيوسياسي.

ويتعدى مشروع أنبوب الغاز نيجيريا المغرب، أن يكون مجرد بنية تحتية لنقل الطاقة، بقدر ما يترجم رؤية إفريقية قائمة على شراكة جنوب – جنوب، بمنطق رابح- رابح، تقوم على تحويل الثروة الغازية إلى رافعة للتنمية المشتركة.

وبينما يمتد أنبوب الغاز على طول الساحل الأطلسي، عابرا وشاملا لدول إفريقية متعددة، فإنه يوحد مصالحها جميعا في مشروع واحد، يربط بين الإنتاج والاستهلاك، بين الطاقة والتنمية، وبين إفريقيا وأوروبا.

وكما تجمع كرة القدم اليوم بين الرباط وأبوجا في مواجهة رياضية عالية المستوى، يجمع هذا المشروع بين البلدين في شراكة استراتيجية بعيدة المدى، فنيجيريا، بثقلها الطاقي، والمغرب، بموقعه الجغرافي وبنيته التحتية وخبرته في الربط الطاقي، يشكلان معا ركيزتين لممر غازي سيغير خريطة المحروقات في القارة، ويفتح ممرا جديدا لتزويد أوروبا بالغاز الطبيعي عبر بوابة إفريقية.

داخل الملعب، سيكون الصراع على الاستحواذ والتمركز والفعالية، وخارجه، هناك سباق آخر أقل ضجيجا وأكثر عمقا، عنوانه من ينجح في بناء جسور المستقبل.

أنبوب الغاز لا ينافس أحدا، بل يعيد ترتيب الأدوار، والمشهد الطاقي ككل، لا يقصي، بل يدمج، لا يقسم القارة إلى مناطق نفوذ، بل يصلها في شبكة مصالح متبادلة، تمتد من غرب إفريقيا إلى شمالها، ومنها إلى الضفة الأخرى من المتوسط.

وهنا تكتسب المواجهة الكروية بعدا رمزيا إضافيا، فعندما تبرز كرة القدم أجمل ما في التنافس الإفريقي من روح رياضية واعتزاز بالهوية، يبرز مشروع الأنبوب وجها آخر للقارة، قارة المبادرة والتخطيط والسيادة على الموارد، قارة لم تعد تكتفي بتصدير المواد الخام، بل تسعى إلى التحكم في مساراتها، وتوجيهها لخدمة تنميتها وشراكاتها الاستراتيجية.

قد تنتهي المباراة بفوز هذا «الأسود» أو «النسور»، وقد تحسمها تفاصيل صغيرة أو لحظة إبداع فردي، لكن مشروع أنبوب الغاز نيجيريا – المغرب، يمضي بمنطق آخر، منطق البناء الهادئ، الذي لا يعرف الخسارة السريعة ولا الربح المؤقت، بل يراكم عبر الزمن، مكاسب للدول التي سيمر بها، عبر فرص الاستثمار والطاقة والكهرباء والصناعة. ومكاسب لإفريقيا ككل، حين تتحول من هامش في خريطة الطاقة إلى قلب في معادلتها.

وبين صافرتي البداية النهاية، تعكس مواجهة المنتخبين المغربي والنيجيري أكثر من مباراة، لتمثل صورة مكثفة لقارة تتحرك في اتجاهين متوازيين، من جهة تنافس شريف في الرياضة، ومن أخرى تعاون استراتيجي في الاقتصاد والطاقة، وإذ أن كرة القدم تشعل العاطفة، فإن أنبوب الغاز يرسم المستقبل، وفي الحالتين، إفريقيا هي التي تلعب، وإفريقيا هي التي تربح.