كشف البنك العقاري والسياحي «CIH BANK»، في تقريره السنوي الخاص بمعايير البيئة والمسؤولية الاجتماعية والحكامة «ESG» برسم سنة 2025، عن تحول استراتيجي جديد يضع الاستدامة والمناخ في صلب نموذجه البنكي، في خطوة تعكس التحولات العميقة التي يشهدها القطاع المالي المغربي تحت تأثير التغيرات المناخية والمتطلبات التنظيمية الدولية وتطور انتظارات المستثمرين والزبناء.
ويقدم التقرير ملامح رؤية جديدة للبنك تقوم على دمج قضايا التمويل المستدام والرقمنة والشمول المالي والحكامة الحديثة ضمن استراتيجية «Impulse 2030»، التي يسعى من خلالها إلى تعزيز تموقعه داخل السوق البنكية المغربية وبناء نموذج مصرفي أكثر قدرة على مواكبة التحولات الاقتصادية والاجتماعية والرقمية، وأوضح البنك أن الاستدامة لم تعد مجرد محور تواصلي أو التزام مواز، بل أصبحت جزءاً من منظومة اتخاذ القرار وتقييم المخاطر والتخطيط الاستراتيجي.
وفي هذا السياق، أعلن «CIH BANK» عن إحداث لجنة خاصة بالاستدامة تابعة مباشرة لمجلس الإدارة، بهدف تتبع تنزيل التوجهات المرتبطة بالمسؤولية الاجتماعية والبيئية وضمان إدماج معايير ESG في السياسات الداخلية والقرارات الاستراتيجية. ويرى متابعون أن هذه الخطوة تعكس انتقال المؤسسة إلى مرحلة الإدماج المؤسساتي الفعلي لقضايا المناخ والاستدامة داخل النموذج البنكي.
ومن أبرز المؤشرات التي كشف عنها التقرير إنجاز أول بصمة كربونية لمحفظة التمويلات، إلى جانب إعداد خريطة للمخاطر المناخية المرتبطة بالقطاعات الاقتصادية الممولة من طرف البنك، موضحا أن 46 في المائة من محفظة تمويلات الشركات معرضة لمخاطر مناخية فيزيائية مرتفعة أو شديدة، فيما تواجه 28 في المائة من المحفظة مخاطر انتقال مرتبطة بالتحول الطاقي والتشريعات البيئية الجديدة، وتعكس هذه الأرقام حجم التحديات التي باتت تواجه الاقتصاد المغربي، خاصة في القطاعات المرتبطة بالماء والطاقة والعقار والفلاحة.
وأكد البنك عزمه مواصلة إزالة الكربون التدريجية لمحفظة تمويلاته، بما ينسجم مع التزامات المغرب المناخية وأهداف المساهمات المحددة وطنيا «CDN 3.0»، عبر توجيه اهتمام أكبر نحو مشاريع الطاقات المتجددة والبنيات التحتية المستدامة والمبادرات ذات الأثر البيئي الإيجابي، مقابل تشديد شروط التمويل بالنسبة للأنشطة ذات الانبعاثات المرتفعة.
وعلى مستوى التمويل الاجتماعي، أبرز التقرير استمرار تموقع البنك في قطاع السكن الاجتماعي، حيث ساهم في تمويل 7941 سكنا اجتماعيا ضمن برامج «فوكاريم» و«مدن بدون صفيح»، مع تعبئة 622 مليون درهم لفائدة هذه البرامج منذ سنة 2023، كما كشف عن تخصيص 3,374 مليار درهم للمساهمة في تمويل مشروع «طريق الماء»، أحد أبرز المشاريع الاستراتيجية المرتبطة بالأمن المائي بالمملكة.
وفي ما يتعلق بالتحول الرقمي، أوضح التقرير أن حوالي ثلاثة أرباع زبناء البنك يستفيدون من مجانية الخدمات البنكية الرقمية، في وقت تمثل فيه الفئة العمرية دون الثلاثين سنة نحو 45 في المائة من إجمالي الزبناء، ما يعكس الرهان المتزايد على الشباب والخدمات البنكية الرقمية منخفضة التكلفة، كما شدد البنك على أهمية الأمن السيبراني، مؤكداً معالجة جميع التنبيهات الأمنية داخل الآجال المحددة وتنظيم حملات للتحسيس بمخاطر الهجمات الإلكترونية والهندسة الاجتماعية.
وفي جانب الحكامة، أشار التقرير إلى أن مجلس إدارة البنك يضم 12 عضواً، بينهم 33 في المائة من الأعضاء المستقلين و33 في المائة من النساء، مع تعزيز المجلس خلال سنة 2025 بكفاءات متخصصة في مجالات الاستدامة والمناخ. كما أبرز حصول المؤسسة على شهادة «EDGE MOVE» الخاصة بالمساواة المهنية، في وقت تمثل فيه النساء 49 في المائة من الموارد البشرية و46 في المائة من الزبناء.
كما اعتمد البنك لأول مرة منهجية «التحليل المزدوج للمادية» وفق المعايير الأوروبية «ESRS»، التي تقوم على تقييم تأثير المؤسسة على المجتمع والبيئة، وفي المقابل تقييم تأثير القضايا البيئية والاجتماعية على الأداء المالي للبنك نفسه. وقد مكنت هذه المنهجية من تحديد أربع عشرة قضية استراتيجية، من أبرزها التغير المناخي، والأمن السيبراني، والتمويل المستدام، والشمول المالي، وتجربة الزبناء وجودة الحياة في العمل.
ويرى مراقبون أن تقرير «ESG» لسنة 2025 يعكس توجها واضحا لدى «CIH BANK» لإعادة تموقعه كبنك رقمي وشبابي ومستدام، يجمع بين الابتكار المالي والتمويل المسؤول والاستجابة للتحولات العالمية الكبرى. غير أن التحدي الحقيقي، بحسب متابعين، سيظل مرتبطا بمدى قدرة المؤسسة على تحويل هذه الالتزامات إلى نتائج ملموسة وسياسات تمويل ذات أثر فعلي على الاقتصاد والمجتمع والبيئة.

