تكشف المنظمة العالمية للأرصاد الجوية في تقرير جديد صدر يوم 4 دجنبر 2025، عن واقع مقلق مفاده أن منطقة شمال إفريقيا والشرق الأوسط باتت تسجّل أحد أعلى معدلات الاحترار على مستوى العالم، في وتيرة تفوق بشكل واضح المعدلات العالمية.
ويؤكد التقرير، الذي أُعد بشراكة مع اللجنة الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا وجامعة الدول العربية، أن سنة 2024 كانت الأكثر حرارة على الإطلاق في تاريخ المناخ بالمنطقة، في تأكيد إضافي على تسارع ظاهرة الاحترار خلال العقود الأخيرة، وعلى التحول العميق في أنماط المناخ الذي بات يفرض تحديات غير مسبوقة على المنطقة وشعوبها.
وبحسب المعطيات العلمية الواردة في التقرير، فقد ارتفع متوسط درجة الحرارة في منطقة مينا خلال سنة 2024 بحوالي 1,08 درجات مئوية مقارنة بالمعدل المناخي للفترة بين 1991 و2020.
هذا الارتفاع لم يكن معزولاً، بل ترافق مع تواتر كبير لموجات الحرّ الممتدة، وتفاقم حالات الجفاف، وزيادة حادة في الظواهر المناخية المتطرفة، في اتجاه بدأ منذ مطلع ثمانينيات القرن الماضي لكنه ازداد حدة خلال السنوات الأخيرة بفعل تغير المناخ العالمي.
وسجلت عدة بلدان عربية درجات حرارة تجاوزت 50 درجة مئوية خلال فصل الصيف، كما شهد غرب شمال إفريقيا موجة جفاف عميقة امتدت لستة مواسم متتالية من ضعف التساقطات، تأثر بها المغرب والجزائر وتونس بشكل خاص، مما انعكس على الأمن المائي والأنظمة الفلاحية والهيدرولوجية في هذه البلدان.
في المقابل، تعرّضت بلدان الخليج العربي، التي تُعرف عادة بندرة الأمطار، لتساقطات استثنائية خلال 2024 أدت إلى سيول مفاجئة وفيضانات جارفة، خصوصاً في السعودية والبحرين والإمارات العربية المتحدة.
وتبرز هذه الظاهرة المفارقة المناخية المتزايدة في المنطقة، حيث يتزامن تشديد الجفاف في الغرب مع فيضانات غير مسبوقة في الشرق، وفق نمط من الاضطراب الهيدرولوجي الذي أصبح سمة مميزة للتغير المناخي في منطقة شديدة الحساسية للمؤثرات الحرارية وتغيّر الدورة المائية.
وتفيد المنظمة العالمية للأرصاد الجوية بأن الكوارث المناخية المسجلة خلال 2024 أثرت على ما يقارب 3,8 ملايين شخص في المنطقة، وتسببت في أكثر من 300 وفاة، أغلبها ناجمة عن موجات الحرّ الشديدة والفيضانات المفاجئة.
غير أن التقرير يؤكد أن الكلفة البشرية والاقتصادية الحقيقية لهذه الظواهر تفوق بكثير ما تظهره الإحصاءات الرسمية، بالنظر إلى محدودية قدرات التتبع والتقييم في عدد من دول المنطقة.
ويشير التقرير إلى أن عدد الكوارث المرتبطة بالمناخ المسجلة بين عامي 2000 و2019 ارتفع بنسبة 83 في المائة مقارنة بالفترة بين 1980 و1999، مما يعكس الوتيرة المتسارعة التي أصبحت تتكرر بها الظواهر القصوى.
وفي مواجهة هذه التطورات، تشدد المنظمة العالمية للأرصاد الجوية على الدور الحاسم لأنظمة الإنذار المبكر متعددة الأخطار باعتبارها إحدى أهم الوسائل للحد من الخسائر البشرية.
وتوضح أن نحو 60 في المائة من الدول العربية باتت تتوفر اليوم على مثل هذه الأنظمة، وهو معدل أعلى من المتوسط العالمي، لكنه لا يزال غير كافٍ لمواجهة المخاطر المتنامية المرتبطة بالمناخ، خصوصاً في منطقة تعرف هشاشة مائية حادة وتزايداً مستمراً في الضغط على الموارد الطبيعية.
وفي سياق يتميز بتراجع التساقطات وارتفاع درجات الحرارة وتدهور الموارد المائية، تتجه عدة دول عربية إلى تعزيز استراتيجيات الأمن المائي عبر الاستثمار في تحلية مياه البحر، وإعادة استعمال المياه العادمة، وتشييد السدود، وتطوير شبكات الري المقتصد للمياه، إضافة إلى إدماج حلول مبتكرة تعتمد على الطاقات المتجددة في إنتاج المياه.
ويعتبر التقرير أن هذه الخيارات لم تعد حلولاً تقنية فحسب، بل تحولت إلى ضرورة استراتيجية لضمان صمود المجتمعات وتكيّف اقتصادات المنطقة مع واقع مناخي يتغير بسرعة تفوق قدرة البنيات الحالية على الاستيعاب.
في المحصلة، يعكس التقرير الأممي صورة واضحة وصارمة عن مستقبل المناخ في شمال إفريقيا والشرق الأوسط، منطقة أصبحت اليوم في صدارة الجبهات المتقدمة لمواجهة التغير المناخي.
وبين حرارة تتصاعد، وجفاف يشتد، وظواهر قصوى تتواتر، يبدو أن التحدي الأكبر أمام دول المنطقة هو تطوير سياسات مندمجة تجمع بين التخفيف من آثار التغير المناخي والتأقلم معه، في انتظار أن ينجح العالم في تقليص انبعاثاته وإبطاء وتيرة الاحترار قبل بلوغ نقاط اللاعودة.


