شهدت أنماط العمل داخل الضيعات الفلاحية المغربية تحولا عميقا خلال العقود الأخيرة، بعدما تراجع الاعتماد على صيغ تقليدية مثل «الخماس» و«الرباع»، التي كانت تقوم على تقاسم المحصول بين مالك الأرض والعامل، لتحل محلها تدريجيا علاقات شغل قائمة على الأجر اليومي أو الأسبوعي، ثم العمل بالمهمة أو بالقطعة.
وكان نظام «الخماس» يقوم على حصول العامل على خمس المحصول مقابل مساهمته في مختلف العمليات الزراعية، بينما يمنح نظام «الرباع» للعامل ربع الإنتاج وفق طبيعة الاتفاق والأدوار التي يتحملها كل طرف.
ولم تكن هذه الأنماط مجرد وسيلة لتنظيم العمل، بل شكلت جزءا من البنية الاجتماعية والاقتصادية للقرية المغربية، حيث كانت العلاقة بين مالك الأرض والعامل تمتد في أحيان كثيرة طوال الموسم أو لسنوات متتالية.
غير أن التحولات التي عرفها الوسط القروي أدت إلى تراجع هذه الصيغ بشكل ملحوظ. فقد ساهم النزوح نحو المدن واتساع التمدرس وتراجع النمو الديمغرافي في تقليص أعداد العمال المتاحين، بينما أصبح الشباب أقل استعدادا لممارسة أعمال فلاحية شاقة وغير منتظمة، خصوصا في غياب دخل ثابت وتغطية اجتماعية وضمانات مهنية واضحة.
كما دفعت سنوات الجفاف المتتالية وتقلب الإنتاج عددا من العمال الموسميين إلى البحث عن فرص أكثر استقرارا في البناء والتجارة والخدمات. وأصبح العامل الفلاحي بدوره أكثر حرصا على ربط أجره بحجم العمل المنجز، بدل انتظار نهاية الموسم أو تقاسم محصول قد يتأثر بالجفاف أو الأمراض أو تراجع الأسعار.
وبعد مرحلة انتشر فيها الأجر اليومي أو الأسبوعي، تتجه الضيعات بشكل متزايد نحو العمل بالمهمة أو بالقطعة، لا سيما خلال عمليات الجني والحصاد والتقليم وإعداد التربة. وفي هذا النظام، تحدد الأجرة بناء على كمية المنتوج الذي يجمعه العامل أو عدد الأشجار والمساحات التي ينجزها، ما يمنحه فرصة لتحسين دخله ويتيح للمشغل ربط التكلفة بالمردودية.
ويظهر هذا التحول بوضوح في المناطق ذات النشاط الفلاحي المكثف، وفي مقدمتها جهة سوس ماسة، حيث تحتاج ضيعات الفواكه والخضر إلى أعداد كبيرة من العمال خلال فترات محددة. وقد أدى اشتداد المنافسة على اليد العاملة إلى ارتفاع الأجور وتزايد تكلفة الإنتاج، في وقت يعتمد فيه جزء من القدرة التنافسية للمنتجات المغربية في الأسواق الخارجية على التحكم في الكلفة.
ولا تزال بعض الضيعات العائلية تعتمد على العمل غير المؤدى عنه لأفراد الأسرة، إلا أن هذا النموذج يواجه بدوره صعوبات مع انتقال الشباب إلى المدن وتغير تطلعات الأجيال الجديدة. وتظهر حدة الخصاص أكثر خلال مواسم الجني، إذ قد تتأخر عمليات الحصاد أو تبقى أجزاء من المحصول دون جمع، بما يسبب خسائر للمنتجين ويؤثر في المواسم الموالية.
ولا يعني اختفاء «الخماس» و«الرباع» مجرد نهاية لنمط تقليدي في تقاسم المحصول، بل يعكس انتقال الفلاحة المغربية نحو سوق شغل أكثر مرونة، لكنه أقل استقرارا، بالنظر إلى ارتفاع الأجور وندرة العمال والحاجة إلى تحسين ظروف الشغل.
