في وقت ينشغل فيه العالم بصراعات النفط والغاز، يتصاعد في العمق ملف أكثر حساسية..، كيف يمكن التحكم في «الجوع»، ومن يملك سلاح الفوسفاط، الذي يفرض نفسه كمنتوج لا محيد عنه لإنتاج الغذاء عالميا.
وبحسب المعطيات الدولية، يتركز ما يزيد عن 70 في المائة من الاحتياطات العالمية المعروفة من صخور الفوسفاط في المغرب، ما يجعل المملكة فاعلا محوريا في معادلة الأمن الغذائي العالمي.
الفوسفاط.. عنصر لا بديل عنه
يستند التحليل الزراعي إلى ما يعرف بـ«قانون الحد الأدنى» للعالم الألماني « Justus von Liebig»، والذي يؤكد أن نمو النباتات يتحدد بأندر عنصر غذائي متاح لها.
وفي الزراعة الحديثة، يعد الفوسفور أحد أهم هذه العناصر، إذ لا يمكن تعويضه أو تصنيعه صناعيا كما هو الحال مع مصادر الطاقة، فالطاقة يمكن ترشيدها أو استبدالها، لكن الغذاء لا يمكن الاستغناء عنه.
من مورد طبيعي إلى قوة صناعية عالمية
قاد المغرب هذا التحول الاستراتيجي عبر مجموعة «المجمع الشريف للفوسفاط» ، التي انتقلت من مجرد مصدر للمواد الخام إلى فاعل صناعي متكامل ينتج الأسمدة عالية القيمة ويستثمر في البحث الزراعي، خاصة في إفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية.
وعززت تقارير مؤسسات دولية، من بينها «International Fertilizer Development Center» سنة 2010، المعطيات المتعلقة بحجم الاحتياطات المغربية، وهي أرقام اعتمدها لاحقا «United States Geological Survey» ضمن مراجعاته الرسمية، وهو ما أكد موقع المغرب الريادي في السوق العالمية.
من الدبلوماسية الطاقية إلى الدبلوماسية الزراعية
لم يعد الفوسفاط مجرد مورد اقتصادي، بل أصبح أداة تعاون جنوب-جنوب، فقد طور المغرب شراكات استراتيجية في إفريقيا جنوب الصحراء، تقوم على نقل التكنولوجيا الزراعية وتحسين خصوبة التربة مقابل تعزيز الأمن الغذائي والاستقرار.
ومنح هذا لنموذج المغرب حضورا قويا داخل القارة السمراء، بعيدا عن منطق الاحتكار أو الابتزاز الذي عادة ما يروج له خصوم الوحدة الترابية للمملكة المغربية.
ويظل منجم «بوكراع»، جزءا من المنظومة الصناعية الوطنية التي تخضع لإطار قانوني واستثماري متكامل، وتسهم في تعزيز سلاسل التوريد الدولية بشكل منتظم ومستقر، في ظل طلب عالمي متزايد على الأسمدة.
قراءة استراتيجية متوازنة
تظهر تجارب دول كالبرازيل والهند أن ضمان تدفق الأسمدة مسألة سيادة غذائية، وهو ما يجعل استقرار المغرب ومتانة مؤسساته عاملا مطمئنا للأسواق الدولية، لا مصدر تهديد لها.
وراكمت المملكة المغربية خبرة عقود في إدارة هذا القطاع، مع استثمارات ضخمة في التحول الأخضر وتقليل البصمة الكربونية لمنتجاتها، بما يؤكد على أن تموقع المغرب في قطاع الفوسفاط يعد بل ثمرة رؤية صناعية بعيدة المدى، جعلت من هذا المورد الطبيعي رافعة للتنمية الإقليمية ولتعزيز الأمن الغذائي العالمي.


