لم يعد رهان المغرب في قطاع الفوسفاط يقتصر على تعزيز قدراته الإنتاجية أو الحفاظ على موقعه كأحد أكبر مصدري الأسمدة في العالم، بل أصبح يرتكز بشكل متزايد على تطوير حلول تكنولوجية مبتكرة تواكب التحولات التي تعرفها الأسواق الدولية، حيث تتصدر الاستدامة والامتثال للمعايير البيئية أولويات المنتجين والمستهلكين على حد سواء.
وتمكنت «مجموعة المكتب الشريف للفوسفاط» من تطوير تكنولوجيا صناعية متقدمة لإنتاج أسمدة منخفضة الـ«كادميوم»، في إنجاز يعكس مستوى النضج الذي بلغته منظومة البحث والابتكار بالمغرب، ويعزز تنافسية المنتوج الوطني في الأسواق التي أصبحت تعتمد معايير بيئية أكثر صرامة.
وترتكز هذه التقنية على معالجة حمض الـ«فوسفوريك» المستخرج من الصخور الفوسفاطية بهدف استخلاص معدن الـ«كادميوم»، الذي يوجد طبيعيا بنسب متفاوتة داخل الفوسفاط، وذلك عبر مسار صناعي متطور يسمح بفصل هذا العنصر وتحويله إلى مادة صلبة قابلة للتخزين وفق معايير السلامة، قبل توجيه الحمض المنقى إلى تصنيع الأسمدة.
ويكتسي هذا الإنجاز أهمية خاصة لكونه ثمرة سنوات من البحث العلمي والتطوير، قادتها فرق متخصصة تابعة لـ«مجموعة المكتب الشريف للفوسفاط»، بشراكة مع باحثين من «جامعة محمد السادس متعددة التخصصات التقنية».
ومكنت هذه الجهود من اختبار عدد كبير من الحلول التقنية قبل التوصل إلى تكنولوجيا قادرة على خفض نسبة الـ«كادميوم» إلى أقل من 20 مليغراما في الكيلوغرام، وهو مستوى يقل بكثير عن الحد الأقصى الذي تعتمده التشريعات الأوروبية.
ولا يقتصر أثر هذا الابتكار على تحسين جودة الأسمدة فحسب، بل يمنح المغرب أيضا أفضلية تنافسية في سوق عالمية تشهد تحولا متسارعا نحو المنتجات الأكثر استدامة، حيث أصبحت المعايير البيئية عاملا حاسما في ولوج العديد من الأسواق، خاصة الأوروبية منها.
كما يعكس هذا المشروع توجها استراتيجيا يقوم على تثمين الموارد الطبيعية محلياً، من خلال الاستثمار في البحث العلمي والابتكار الصناعي، والانتقال من تصدير المواد الخام إلى تطوير تكنولوجيات وحلول ذات قيمة مضافة عالية، بما يعزز تموقع المملكة داخل سلاسل القيمة العالمية المرتبطة بالأمن الغذائي.
ومن جانب آخر، ساهم هذا المسار في ترسيخ السيادة التكنولوجية الوطنية، إذ جرى تطوير مختلف مراحل المشروع اعتمادا على كفاءات مغربية ومكاتب دراسات ومقاولات وطنية، وهو ما أتاح نقل المعرفة، وخلق فرص شغل مؤهلة، وتعزيز القدرات الصناعية المحلية في مجال يعد من أكثر القطاعات الاستراتيجية على الصعيد العالمي.
ويؤكد هذا الإنجاز أن مستقبل صناعة الفوسفاط لم يعد يقاس فقط بحجم الاحتياطيات أو كميات الإنتاج، بل بقدرة المنتجين على الابتكار وتطوير حلول صناعية تستجيب للتحديات البيئية والغذائية العالمية، وهو الرهان الذي يبدو أن المغرب اختار الاستثمار فيه مبكراً لترسيخ مكانته كفاعل رئيسي في صناعة الأسمدة المستدامة.
