كشف باحثون أوروبيون عن تزايد وصول الغبار الصحراوي القادم من الصحراء المغربية إلى عدد من الدول الأوروبية، من بينها هولندا، محذرين من انعكاساته المحتملة على جودة الهواء والصحة العامة، خاصة بالنسبة للأشخاص الذين يعانون أمراضا تنفسية مزمنة.
ووفقا لدراسة نشرتها مجلة «Nature» العلمية، سجلت تركيزات الغبار الصحراوي فوق أوروبا ارتفاعا متواصلا خلال الفترة الممتدة بين عامي 2012 و2021، في وقت نجحت فيه الدول الأوروبية في تقليص جزء كبير من التلوث الناتج عن الأنشطة البشرية، ما جعل الغبار الطبيعي يشكل نسبة متزايدة من الجسيمات الدقيقة العالقة في الهواء.
ويشير الباحثون إلى أن هذا الغبار، رغم أنه يكون غالبا غير مرئي، إلا أنه يظهر بوضوح خلال فترات الرياح القوية، حيث يترسب على السيارات والشوارع في عدد من المدن الأوروبية. كما أن استنشاقه قد يشكل خطرا على الفئات الهشة، ولاسيما المصابين بالربو وأمراض الجهاز التنفسي.
ويرى فريق البحث أن هذه الظاهرة قد ترتبط بتغير أنماط حركة الكتل الهوائية، إلى جانب اتساع رقعة المناطق الصحراوية خلال القرون الأخيرة. وللتحقق من هذه الفرضية، اعتمد العلماء على نماذج متقدمة للذكاء الاصطناعي، وقارنوا نتائجها بعينات تاريخية من الغبار المحفوظ داخل الأنهار الجليدية في جبال الألب.
ويرجح الباحثون أن يعود هذا الارتفاع إلى تغير أنماط حركة الكتل الهوائية، إلى جانب اتساع رقعة الصحراء خلال الـ250 سنة الماضية، وللتحقق من هذه الفرضية، استعان الفريق العلمي بنماذج تعتمد على الذكاء الاصطناعي لتحليل بيانات جودة الهواء، وقارن نتائجها بجزيئات غبار تعود إلى قرون مضت، جرى حفظها داخل الأنهار الجليدية في جبال الألب، ما أتاح تتبع تطور الظاهرة عبر فترات زمنية طويلة.
ويؤكد الباحث السويسري «بيتروس فاسيلاكوس»، من معهد «بول شيرر»، أن تزايد الغبار الصحراوي يفرض تحديات إضافية أمام الدول الأوروبية لتحقيق أهدافها المتعلقة بتحسين جودة الهواء، في حين لا يزال الجدل قائما داخل الأوساط العلمية حول مدى ارتباط هذه الظاهرة بشكل مباشر بالتغير المناخي. فبينما يرى بعض الباحثين أن ارتفاع درجات الحرارة قد يوسع نطاق التصحر ويزيد من انبعاث الغبار، يدعو آخرون إلى توخي الحذر، مستندين إلى معطيات تاريخية تشير إلى أن فترات الدفء السابقة لم تكن بالضرورة أكثر غبارا.
ورغم المخاوف الصحية، يلفت العلماء إلى أن للغبار الصحراوي دورا بيئيا مهما، إذ يعد مصدرا طبيعيا للعناصر المعدنية التي تغذي المحيطات وغابات الأمازون، كما يساهم في التأثير على المناخ من خلال حجب جزء من أشعة الشمس والمساعدة على تشكل السحب.
وتبرز هذه النتائج أن الغبار الصحراوي، رغم ما يثيره من تحديات صحية، يظل جزءا من دورة طبيعية معقدة، تجمع بين تأثيرات بيئية إيجابية وأخرى تستدعي تطوير أنظمة الرصد والإنذار المبكر، خاصة مع تزايد الظواهر المناخية المتطرفة.
