في سياق الاحتفال بمرور 26 عاما على تولي صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله، مقاليد الحكم، تتجلى بوضوح التحولات العميقة التي شهدتها المملكة على مختلف المستويات، ومنها ما يخص تعزيز حقوق المواطن المغربي كمستهلك، وتكريس مبادئ الحكامة الاستهلاكية.
ومن بين الفاعلين المدنيين الذين أسهموا في ترسيخ هذه الدينامية الإصلاحية، يبرز اسم محمد بنقدور، الرئيس المؤسس لـ«الجامعة الوطنية لجمعيات المستهلك بالمغرب»، كأحد الأصوات البارزة في الدفاع عن الحقوق الاقتصادية للمغاربة، ورافعة من روافع الوعي المجتمعي بمسألة الاستهلاك الرشيد والعادل.
وواكب بنقدور، منذ بدايات العهد الجديد، الدينامية الملكية الرامية إلى تحديث الترسانة القانونية، وحماية المستهلك من الغش والممارسات المنافية للمنافسة، وساهم من موقعه في الحركة الاستهلاكية الوطنية والدولية في تعبئة المواطن، ومواكبة التغيرات المؤسساتية.
ويقارب ضيف مجلة «Filaha Magazine» أبرز المكتسبات التي تحققت في عهد جلالة الملك محمد السادس، من خلال إطلاق قوانين عصرية، ومبادرات استراتيجية، وتدخلات ملكية حاسمة ضمنت الأمن الغذائي والصحي للمغاربة، كما يُسلط الضوء على التحديات الجديدة التي تواجه المستهلك المغربي في ظل التحول الرقمي والعولمة الاقتصادية.
س: كيف ترون تطور الحركة الاستهلاكية في المغرب خلال عهد جلالة الملك محمد السادس، خاصة على مستوى القوانين والتشريعات المنظمة لحقوق المستهلك؟
ج: قبل اعتلاء جلالة الملك محمد السادس العرش، كان المغرب يتوفر، ومنذ عهد الحماية، على ترسانة قانونية تضم أكثر من 300 نصا قانونيا يهم الاستهلاك، لكنها كانت متفرقة، ومطبوعة بتداخل الاختصاصات، ومتقادمة بشكل يجعلها دون مواكبة التحولات الاجتماعية والاقتصادية.
ومع تسلم جلالة الملك مقاليد الحكم، بادر إلى وضع المواطن في قلب السياسات العمومية، ومن ذلك العناية بحقوقه كمستهلك، كما عبر عن ذلك في العديد من خطبه السامية التي شكلت منارة لتقوية أسس حماية المستهلك، ونبراسا للحكومات المغربية من أجل تقعيد مقتضيات قانونية، تعزز مكانة المستهلك كقطب رحى في الدورة الاستهلاكية.
وبفضل التوجيهات الملكية، دخلت الحركة الاستهلاكية المغربية مرحلة جديدة، توجت بإصدار قانون 31.08 المتعلق بحماية المستهلك، إلى جانب قانون سلامة المنتجات الغذائية، وتشريعات حديثة تتماشى مع متطلبات التجارة الإلكترونية والمعاملات عن بُعد.
كما تم إحداث مجلس المنافسة كمؤسسة دستورية للحكامة، تحمي حقوق المستهلك وتكافح الممارسات المنافية للمعاملات والممارسات التجارية الحميدة، وهو ما يعكس الأهمية التي يوليها جلالة الملك لحماية المستهلك باعتبارها جزءا من منظومة حقوق الإنسان.
وبفضل هذه الرؤية الملكية، باتت المملكة تتوفر على ترسانة قانونية متقدمة، تتماشى مع المعايير الدولية، خصوصًا تلك المعتمدة من قبل الاتحاد الأوروبي، الذي يعد الشريك التجاري الرئيسي للمغرب، ويضع المملكة في وضع اعتباري متقدم.
ومع ذلك، فإن التحدي القائم اليوم هو تفعيل وتنزيل هذه القوانين على أرض الواقع، بما يرسخ الوعي الاستهلاكي ويضمن حماية فعلية للمواطن المغربي.
س: ما مدى تأثير تدخلات جلالة الملك محمد السادس في دعم المستهلك وضمان الأمن الغذائي بالمملكة؟
ج: من الصعب حصر المبادرات الملكية الرامية إلى حماية المستهلك وتعزيز الأمن الغذائي، فبمجرد اعتلاء جلالته العرش، أطلق مشاريع مهيكلة كان لها الأثر البالغ في تعزيز الأمن الغذائي والصحي والثقافي.
وخلال جائحة «كوفيد-19»، أبان جلالته عن حنكة وقيادة استثنائية مكنت المغرب من تجاوز الأزمة بأقل الخسائر، حيث كانت المملكة من أوائل الدول التي وفرت اللقاح لمواطنيها، بفضل التوجيهات الملكية.
ولم تقف الرؤية الملكية المتبصرة عند إيجاد حلول ظرفية، وتدبير الأزمة بل تعدتها لتستشرف للمغرب أفقا ومستقبلا، لا يجوع فيه ولا يظمأ، وهو ما يتبدى من دعوة جلالته إلى توفير مخزونات استراتيجية من الأدوية والمواد الأساسية، وهو توجه حاسم يُدرك أن التوفر على المنتوج، يكتسي أهمية قصوى، لسد الخصاص وتلبية حاجيات المواطنين متى اشتد الحال.
كذلك وسيرا على الرؤية الملكية الاستشرافية، اتخذ جلالته قرارا استراتيجيا وحاسما خلال عيد الأضحى الأخير، تمثل في إهابته بعدم إقامة شعيرة الذبح، وهو ما مكن من المغرب من الحفاظ على أزيد من 6 ملايين رأس من الأغنام، والعناية بالقطيع الوطني ككل وبالتالي انخفاض الأسعار، وسد الطريق على المضاربين والوسطاء الذين كانوا يلهبون جيوب المستهلكين.
وفي هذا السياق، لابد من الإشارة إلى أن جلالة الملك أصدر تعليماته السامية بأن يمر الدعم للفلاحين عبر وزارة الداخلية، بعدما لوحظ أن القنوات السابقة لم تحقق الأثر المطلوب، وهو ما يبشر بنتائج إيجابية في الموسم الفلاحي المقبل.
ولكل ذلك، فـ«الجامعة الوطنية لجمعيات المستهلك بالمغرب»، فإننا، ولا ريب، مطمئنون لواقع يفيد لسانه بأن جلالة الملك محمد السادس، يضع المستهلك المغربي في صلب أولوياته، من خلال قرارات جريئة ومبادرات استراتيجية تحمي القدرة الشرائية وتكرس الأمن الغذائي والصحي.
س: في ظل التحولات الرقمية والتوسع في التجارة الإلكترونية، ما هي التحديات الجديدة التي تواجه المستهلك المغربي، وكيف تعمل الجامعة على مواكبة هذه التغيرات؟
ج: مما لا شك فيه أن قانون 31.08، المتعلق بتدابير حماية المستهلك، يعد من القوانين المتقدمة، والتي تتماشى وروح العصر الحديث، إذ خصصت فيه مواد مهمة للتجارة الإلكترونية والمعاملات عن بعد، وهو ما يعكس تطور التشريع المغربي في هذا الباب.
لكن الإشكال لا يكمن في ترتيب وتحضير النصوص القانونية، بل في تنزيلها وتفعيلها بفعالية على أرض الواقع، وبذلك يبقى تعزيز ثقافة المستهلك وتوطيد الوعي الاستهلاكي حجر الزاوية، إذ يجب أن يكون المواطن ملما بحقوقه، في ظل المشاكل التي تعتري المعاملات الإلكترونية على الخصوص، والتي قد تنحاز إلى الغش والاحتيال الممارس من بعض مقدمي الخدمات.
واللافت، أن هناك تحديات أخرى تتعلق بـالعلاقة بين المستهلك ومزودي الخدمات الإلكترونية، حيث يسجل غياب التوازن أحيانا في الالتزامات والمسؤوليات، وهو ما يجعل «الجامعة الوطنية لحماية المستهلك» تعكف على تنفيذ حملات توعية وتحسيس لفائدة المواطنين.
ونحن إذ نشدد على الدور الفعال للقضاء المغربي في فك المنازعات التي تنشأ بخصوص المعاملات التجارية خاصة في شقها الإلكتروني، فإننا نؤكد على نجاعة إحداث قضاء متخصص في قضايا الاستهلاك، بما يكفل الإلمام التام بالإشكاليات التقنية والقانونية التي تطرحها التجارة الرقمية والمعاملات الحديثة، مع تشديدنا على أهمية تعزيز الأمن السيبراني لحماية المعطيات الشخصية وضمان الثقة في الاقتصاد الرقمي.


