دشنت كتابة الدولة المكلفة بالصيد البحري مرحلة جديدة في تعزيز حماية البيئة البحرية، بعد إصدار دورية تنظيمية جديدة تشدد الرقابة على أنشطة سفن الصيد، وتفرض منظومة أكثر صرامة لتدبير النفايات والمحروقات، مدعومة بعقوبات مالية وجنائية مشددة، في إطار تنزيل مقتضيات القانون رقم 69.18 المتعلق بالتلوث الناجم عن السفن، واحترام الالتزامات الدولية للمغرب في مجال المحافظة على البيئة البحرية.
وتؤكد الدورية، المؤرخة في 8 ماي 2026، أن حماية النظم الإيكولوجية البحرية أصبحت ركيزة أساسية لاستدامة قطاع الصيد البحري، معتبرة أن الحفاظ على الثروة السمكية والموارد الطبيعية مسؤولية جماعية يتحملها ربابنة السفن والمجهزون ومالكوها وجميع المتدخلين في سلسلة الإنتاج البحري.
وشددت الوثيقة على المنع التام لإلقاء جميع النفايات البلاستيكية في البحر، بما في ذلك الشباك والحبال المصنوعة من الألياف الاصطناعية والأكياس البلاستيكية ومخلفات حرق البلاستيك، بالنظر إلى ما تشكله من تهديد مباشر للكائنات البحرية والأنظمة البيئية الساحلية.
كما حددت ضوابط دقيقة للتخلص من باقي أنواع النفايات، مع إلزام السفن باحترام مسافات محددة عن اليابسة قبل أي عملية تصريف يسمح بها القانون، وفق طبيعة المخلفات.
ولتعزيز آليات المراقبة والتتبع، ألزمت كتابة الدولة سفن الصيد التي تبلغ حمولتها الإجمالية 400 طن أو أكثر بإمساك سجل خاص بالنفايات، يتضمن جميع العمليات المرتبطة بتجميعها أو نقلها أو التخلص منها أو حرقها، مع توثيق تاريخ العملية ومكانها وكمياتها وتوقيع المسؤول عنها، على أن يحتفظ بهذا السجل على متن السفينة لمدة لا تقل عن سنتين، ويظل رهن إشارة مصالح المراقبة والتفتيش.
كذلك، فرضت الدورية على السفن التي تبلغ حمولتها الإجمالية 100 طن فما فوق إعداد خطة داخلية لتدبير النفايات، تشمل إجراءات الفرز والتخزين والمعالجة والإفراغ، مع تحديد مسؤوليات أفراد الطاقم.
وألزمت السفن التي يتجاوز طولها 12 مترا بوضع ملصقات توعوية حول التدبير السليم للنفايات، فضلاً عن إشعار السلطات المختصة بأي فقدان عرضي لمعدات الصيد إذا كان من شأنه تهديد سلامة الملاحة أو الإضرار بالبيئة البحرية.
وفي ما يتعلق بالتلوث بالمحروقات، كرست الدورية مبدأ المنع الكامل لتصريف الزيوت ومخلفاتها في البحر، مع استثناءات محدودة تقتصر على الحالات المرتبطة بسلامة السفينة أو إنقاذ الأرواح أو الحوادث الطارئة، شريطة اتخاذ جميع التدابير الممكنة للحد من آثار التلوث.
أيضا اشترطت، بالنسبة للحالات التي يسمح فيها بالتصريف، أن تكون السفينة في حالة إبحار، وأن تمر المياه عبر أجهزة معالجة معتمدة، وألا تتجاوز نسبة المحروقات في المياه المعالجة 15 جزءا في المليون.
وأوجبت الدورية أيضا تجهيز السفن التي تبلغ حمولتها الإجمالية 400 طن أو أكثر بخزانات مخصصة لتجميع بقايا الزيوت والوحل النفطي، مع إلزامها بمسك سجل خاص بالمحروقات يوثق مختلف العمليات المتعلقة بالوقود والزيوت ومياه الآلات ومياه التوازن وبقايا المحروقات، والاحتفاظ به لمدة ثلاث سنوات، بما يعزز إمكانية تتبع أي مخالفة أو حادث تلوث.
ولم تقتصر الإجراءات الجديدة على الجوانب التقنية، بل أكدت أيضاً الطابع الزجري للمنظومة القانونية، مبرزة أن مخالفة هذه المقتضيات، ولاسيما من طرف ربان سفينة الصيد باعتباره المسؤول الأول، قد تعرض مرتكبيها لغرامات تتراوح بين 5 آلاف و100 مليون درهم، فضلا عن عقوبات سالبة للحرية قد تصل إلى سبع سنوات في أخطر حالات التلوث بالمحروقات.
فضلا عن عقوبات تخص تصريف المياه العادمة والنفايات، والتلوث الجوي، والتخلص غير المشروع من مياه التوازن، وعدم التبليغ عن الحوادث البيئية أو عدم التوفر على الوثائق والسجلات القانونية.
وتعكس هذه الدورية توجهاً واضحاً نحو ترسيخ حكامة بيئية أكثر صرامة داخل قطاع الصيد البحري، عبر الانتقال من منطق التوعية إلى منطق الامتثال الإلزامي، بما يعزز التوازن بين متطلبات الإنتاج والمحافظة على الثروة البحرية، ويواكب التحديات المتزايدة المرتبطة بالتغيرات المناخية واستدامة الموارد الطبيعية.
