في الوقت الذي يعول فيه الفلاحون على الموسم الحالي لتعويض سنوات الجفاف، بعد التحسن الملحوظ في التساقطات وارتفاع الآمال بشأن مردودية عدد من الزراعات، بدأت الضيعات الفلاحية تواجه تحديا من نوع آخر لا يقل تعقيدا عن التقلبات المناخية، ويتعلق بندرة اليد العاملة الموسمية وارتفاع كلفتها بشكل غير مسبوق.
ومع اقتراب فترات الجني والحصاد، وجد عدد من المستغلين الفلاحيين أنفسهم أمام صعوبة متزايدة في تأمين العمال الضروريين لتدبير الأشغال الموسمية، وسط تنافس حاد بين الضيعات على استقطاب اليد العاملة، وارتفاع الأجور اليومية إلى مستويات لم تعد في متناول عدد من الفلاحين الصغار والمتوسطين.
وألقت التحولات الاجتماعية التي يعرفها العالم القروي، بظلالها بشكل مباشر على النشاط الفلاحي، بعدما تراجع اهتمام فئة واسعة من الشباب بالأعمال المرتبطة بالأرض، بسبب قساوة ظروف الاشتغال وغياب الاستقرار المهني، كما ساهمت الهجرة نحو المدن وتفضيل بعض العمال لأنشطة أقل إرهاقاً وأكثر مردودية في تقليص العرض المتوفر من اليد العاملة الزراعية.
وتزداد حدة هذا الإشكال خلال مواسم الذروة، خاصة في سلاسل إنتاج تتطلب تدخلا بشريا مكثفا، مثل الطماطم والفواكه الحمراء والحوامض، حيث تصبح سرعة الجني عاملا حاسما للحفاظ على جودة المنتوج وضمان احترام آجال التسويق والتصدير.
وفي ظل هذا الواقع، لم تعد بعض الضيعات تراهن فقط على رفع الأجور، بل بدأت تعتمد أساليب جديدة لاستقطاب العمال والاحتفاظ بهم، من خلال تحسين ظروف النقل والإقامة، وتقديم منح تحفيزية مرتبطة بالمردودية، إضافة إلى اعتماد تنظيم أكثر مرونة للعمل داخل الضيعات.
وأصبحت أزمة اليد العاملة الموسمية تكشف الحاجة إلى إعادة التفكير في النموذج الاجتماعي المرتبط بالقطاع الفلاحي، سواء عبر تأهيل ظروف العمل أو خلق آليات أكثر استقراراً تضمن استمرارية الموارد البشرية، خصوصاً في ظل تنامي الرهانات المرتبطة بالأمن الغذائي وتنافسية الصادرات الفلاحية المغربية.
