على بعد كيلومترات قليلة من الدار البيضاء، حيث يتسارع التوسع العمراني وتشتد المنافسة على الموارد المائية، تبرز محطة مديونة لتصفية المياه العادمة كنموذج صامت لتحول عميق في طريقة تدبير الماء بالمغرب.
هنا، لا تضطلع المحطة التي تشرف عليها، «الشركة الجهوية متعدد الخدمات الدار البيضاء – سطات»، بتنقية مياه مستعملة، بل بإعادة تعريفها كمورد جديد، في زمن أصبح فيه كل متر مكعب ذو قيمة استراتيجية.
قبل إحداث محطة مديونة لتصفية المياه العادمة، كانت المياه العادمة تصرف مباشرة في وادي الحصار، حاملة معها مخاطر بيئية وصحية حقيقية، لكن اليوم، تغير المشهد بشكل جذري.
فلسفة جديدة لتدبير المياه
على بعد 17 كلم من الدار البيضاء، وفي مديونة التي يفوق تعداد سكانها 25 ألف نسمة، حيث يتقاطع التوسع العمراني مع الضغط المتزايد على الموارد الطبيعية، تبرز محطة «STEP» لتصفية المياه العادمة كنموذج صامت لتحول عميق في تدبير الماء بالمغرب.
وتمتد المحطة على مساحة 3,5 هكتارات، وتستقبل يوميا آلاف الأمتار المكعبة من المياه التي تمر عبر سلسلة دقيقة من المعالجة، تبدأ بإزالة الشوائب والمواد الصلبة.
وتعتمد المحطة، على نظام مزدوج يجمع بين تقنية «الحمأة المنشطة» (boues activées) و«التصفية الغشائية» (membrane filtration)، وهي من أحدث التقنيات المعتمدة عالميا في معالجة المياه العادمة.
وتتكفل المعالجة البيولوجية بتفكيك الملوثات عبر كائنات دقيقة، بالرفع من جودة المياه المنتجة إلى مستوى يسمح بإعادة استعمالها، خاصة في سقي المساحات الخضراء.
وانتصب تحد جديد أمام نجاح هذه التجربة، يرتبط بتزايد الطلب، إذ مع النمو الحضري والصناعي المتسارع الذي تعرفه منطقة مديونة، بلغت المحطة حدود طاقتها الاستيعابية، المحددة في حوالي 3800 متر مكعب يوميا.
ولتجاوز هذا التحدي، أطلقت «الشركة الجهوية متعددة الخدمات الدار البيضاء – سطات»، في 27 دجنبر 2024، مشروع توسعة طموح تصل كلفته إلى نحو 109 ملايين درهم، يهدف إلى مضاعفة القدرة اليومية لتبلغ 7600 متر مكعب.
وانطلاق من سعي «SRM Casa – Settat»، للانتقال بالمحطة، الموجهة لخدمة ما يفوق 40 ألف نسمة، من منطق «التطهير» إلى منطق «التثمين»، فإن المشروع وفضلا عن التوسعة، يحرص على إدماج تجهيزات وتقنيات حديثة تعزز أداء المحطة وجودة المياه المنتجة.
ويشمل المشروع إحداث خط جديد للمعالجة البيولوجية متبوع بمرحلة التوضيح، إضافة إلى معالجة ثلاثية تعتمد على الترشيح الرملي والتعقيم بالأشعة فوق البنفسجية.
رهان بيئي وسيادي للمستقبل
في ظل التغيرات المناخية وندرة المياه، تبدو هذه المنشآت خيارا استراتيجيا لا غنى عنه، ليس فقط لحماية البيئة، بل لضمان استدامة الإنتاج الفلاحي وتحقيق الأمن المائي والغذائي.
وتعكس محطة مديونة لتصفية المياه العادمة تحولا في تدبير المياه بالمغرب، يقوم على الانتقال من منطق التخلص من المياه العادمة إلى منطق تثمينها وإدماجها ضمن دورة اقتصادية مستدامة.
ويبرز هذا المشروع كحل عملي لتعزيز السيادة المائية، عبر إنتاج موارد غير تقليدية يمكن توجيهها لدعم الفلاحة والمساحات الخضراء، وتقليل الضغط على الموارد الطبيعية.
وبفضل جودة المعالجة، يمكن توجيه هذه المياه لسقي مئات الهكتارات، ما يخفف الضغط على الموارد المائية التقليدية، خاصة في سياق الإجهاد المائي الذي يعيشه المغرب.
وإذ تعد المحطة رهانا بيئيا وسياديا للمستقبل، فهي تترجم قصة صامتة لكنها عميقة، حيث تتحول المياه التي كانت تعتبر نفايات إلى عنصر حياة، وتتحول محطات التطهير إلى منشآت لإنتاج الماء.
