لم يعد تحسين الإنتاج الفلاحي في المغرب رهينا فقط بوفرة الأمطار أو جودة البذور، بل أصبح يعتمد بشكل متزايد على توظيف البحث العلمي داخل الحقول. هذا ما تؤكده نتائج برنامج «المثمر» خلال الموسم الفلاحي 2025-2026، وقد أبرزت أن اعتماد المسارات التقنية المحسنة مكّن من رفع مردودية الحبوب بنسبة بلغت 26 في المائة، والقطاني بـ42 في المائة، مع تحسين ربحية الضيعات وتعزيز قدرتها على مواجهة التقلبات المناخية.
وبعد سنوات طبعتها ندرة التساقطات وما رافقها من تراجع في الإنتاج، جاء الموسم الفلاحي 2025-2026 ليؤكد أن وفرة الأمطار وحدها لا تكفي لتحقيق أفضل النتائج، بل إن حسن استثمارها عبر الممارسات الزراعية السليمة هو ما يصنع الفارق.
وقدم برنامج «المثمر»، الذي تقوده «جامعة محمد السادس متعددة التخصصات التقنية» «UM6P» بشراكة مع مختلف الفاعلين في القطاع، حصيلة موسم أظهرت كيف يمكن للبحث العلمي أن يتحول إلى نتائج ملموسة داخل الحقول المغربية. فقد نشر البرنامج 1152 منصة تجريبية في 25 إقليما، استفاد منها مئات الفلاحين بشكل مباشر وآلاف آخرون عبر برامج التكوين والمواكبة الميدانية.
الحبوب تحقق قفزة في المردودية
أظهرت نتائج «المنصات التطبيقية» «PFDs» المطورة بشراكة مع «Fondation OCP» أن اعتماد المسارات التقنية المبنية على تحاليل التربة، والتسميد المعقلن، والمواكبة المستمرة، مكّن من رفع مردودية الحبوب بنسبة وصلت إلى 26 في المائة مقارنة بالحقول المرجعية، كما انعكس إيجابا على ربحية الضيعات بفضل ترشيد استعمال المدخلات وتحسين كفاءتها.
ولم تبق هذه النتائج حبيسة الجداول التقنية، بل أكدها الفلاحون الذين احتضنت ضيعاتهم منصات التجارب. ففي جماعة سيدي جابر بإقليم بني ملال، يوضح الفلاح أحمد الهيبة أن تطبيق التوصيات التقنية الخاصة بزراعة القمح الطري، خاصة ما يتعلق بالتسميد، مكنه من رفع الإنتاج من 60 قنطارا للهكتار إلى 70.5 قنطارا.
وقال أحمد الهيبة، إن الفارق كان واضحا عند الحصاد، معتبرا أن الالتزام بالمسار التقني طوال الموسم كان وراء هذه النتيجة التي شجعته على مواصلة اعتماد هذه الممارسات مستقبلا.

القطاني تؤكد فعالية المقاربة العلمية
نفس النتائج سجلتها زراعة القطاني، إذ بلغت الزيادة في المردودية 42 في المائة حسب نوع المحصول وظروف الإنتاج، وهو ما يعكس فعالية المقاربة التي تجمع بين التشخيص الدقيق للتربة، والتسميد الملائم، والمواكبة التقنية خلال مختلف مراحل الموسم، فيما سجلت الضيعات المشاركة ارتفاعا في هامش الربح تراوح بين 19 و40 في المائة، بفضل تحسين كفاءة استخدام المدخلات وتقليص التكاليف.
ويؤكد الفلاح عبد الكريم العنوني، من جماعة عين السبيت بإقليم الخميسات، أن تحاليل التربة غيرت طريقة تدبيره لمحصول العدس، بعدما ساعدته على تحديد الاحتياجات الحقيقية للمحصول وضبط عمليات التسميد، مشيرا إلى أن هذه المواكبة مكنته من تحقيق مردودية بلغت 14 قنطارا للهكتار، وهي أفضل من النتائج التي اعتاد تسجيلها خلال المواسم السابقة، مؤكدا عزمه على مواصلة العمل بهذه التوصيات.

الزرع المباشر يرسخ حضوره في الضيعات
فضلا عن تحسين المردودية، يواصل برنامج «المثمر» توسيع اعتماد تقنية الزرع المباشر باعتبارها إحدى أهم الوسائل الكفيلة بتعزيز قدرة الفلاحة المغربية على مواجهة التغيرات المناخية.
وشمل البرنامج، خلال الموسم الحالي، أكثر من 30 ألف هكتار موزعة على 130 منطقة داخل 21 إقليما، لفائدة أكثر من 4300 فلاح، مع إحداث 548 منصة تجريبية خاصة بهذه التقنية، في إطار المساهمة في تحقيق الهدف الوطني المتمثل في بلوغ مليون هكتار من الزرع المباشر في أفق سنة 2030.
وبالنسبة جلال بلفقيه، وهو فلاح يتحدر من إقليم سيدي قاسم، فإن الزرع المباشر لم يعد مجرد تقنية للمحافظة على التربة، بل أصبح وسيلة لتحسين الإنتاج أيضا، وقد أكد على أن تحاليل التربة والمواكبة التقنية، إلى جانب استعمال تطبيق @tmar، ساعدته على اتخاذ قرارات أكثر دقة خلال الموسم، ورسخت قناعته بجدوى هذه الممارسة في تحسين الإنتاجية واستدامة الاستغلالية الفلاحية.
وتتكرر القناعة نفسها لدى الفلاح عثمان الساكر، من جماعة مزامزة الجنوبية بإقليم سطات، الذي سجل ارتفاعا في مردودية القمح الصلب من 32 إلى 40 قنطارا للهكتار بفضل اعتماد الزرع المباشر والتسميد المبني على تحاليل التربة. ويرى أن هذه التجربة تؤكد أن الاستثمار في المعرفة التقنية أصبح ينعكس مباشرة على إنتاجية الضيعات وربحيتها.

نتائج مشجعة رغم تحديات المناخ
رغم الفيضانات التي عرفتها بعض مناطق الغرب واللوكوس، خاصة بأقاليم القنيطرة وسيدي قاسم والعرائش، والتي تسببت في إلحاق أضرار بعدد من منصات التجارب، فإن هذه التأثيرات ظلت محدودة ولم تحجب الحصيلة الإيجابية للموسم على الصعيد الوطني، قد أظهرت النتائج أن الجمع بين الظروف المناخية الملائمة واعتماد المسارات التقنية المتكاملة مكن من تحسين الإنتاجية وربحية الضيعات في أغلب مناطق الإنتاج.
وتؤكد هذه الحصيلة أن مستقبل الفلاحة المغربية لن يعتمد فقط على تقلبات المناخ، بل أيضا على قدرة الفلاح على الاستفادة من البحث العلمي والابتكار الزراعي، فحين تنتقل المعرفة من المختبر إلى الحقل، تتحول إلى إنتاج أوفر، ودخل أفضل، وفلاحة أكثر قدرة على مواجهة تحديات الأمن الغذائي والتغيرات المناخية.
