وتحول السمك المعلب، الذي ظل لسنوات منتجا تقليديا محدود الحضور، إلى أحد الأغذية الرائجة داخل المطاعم والمتاجر المتخصصة وعلى منصات التواصل الاجتماعي، خاصة لدى الشباب الباحثين عن أغذية غنية بالبروتين وسهلة الاستهلاك.
وارتفعت مبيعات الأسماك المعلبة في السوق الأميركية من 2,3 مليار دولار سنة 2018 إلى أكثر من 2,7 مليار دولار، كما أنفق المستهلكون الأميركيون خلال الاثني عشر شهرا الماضية نحو 3.52 مليارات دولار على مختلف منتجات البحر طويلة الحفظ.
وامتد هذا الإقبال إلى التجارة الإلكترونية، إذ أظهر تقرير منصة «Grubhub» لسنة 2025 تضاعف طلبات الأسماك المعلبة ثلاث مرات خلال عام واحد، فيما قفزت مشترياتها من متاجر البقالة عبر المنصة بنسبة 209 في المائة.
وتمنح هذه الدينامية فرصة مهمة للصناعة المغربية، بالنظر إلى خبرتها في تعليب السردين وقدرتها على تصديره إلى الأسواق البعيدة، كما تستفيد المصانع الوطنية من استمرار السماح بتصدير السردين المصنع والمعلب، مقابل تعليق صادرات السردين المجمد منذ فبراير 2026 بهدف حماية تموين السوق الداخلية وضمان حاجيات وحدات التحويل.
وسبق لهذا التوجه أن دفع عددا من المستوردين والمصنعين الأجانب، خاصة في فرنسا، إلى تكييف سلاسل إمداداتهم والاعتماد على المنتجات التي يجري تصنيعها مباشرة داخل المغرب.
غير أن تنامي الطلب الأميركي يتزامن مع تراجع ملحوظ في الموارد السمكية الوطنية. فقد انخفضت كميات السردين المفرغة في المغرب بنحو 46 في المائة بين سنتي 2022 و2024، متراجعة من حوالي 966 ألف طن إلى قرابة 525 ألف طن.
ويرتبط هذا الانخفاض، وفق خبراء، بارتفاع حرارة المياه وتحرك أسراب السردين نحو مناطق أكثر برودة، ما يضطر مراكب الصيد إلى الابتعاد عن السواحل وقطع مسافات أطول. كما ساهم ارتفاع تكاليف الطاقة، في ظل التوترات الدولية، في زيادة كلفة رحلات الصيد.
وتغيرت بالتوازي بنية صادرات الأسماك السطحية الصغيرة، إذ تراجعت حصة السردين إلى 23 في المائة من صادرات هذه المنتجات مجمدة سنة 2025، مقابل نحو 70 في المائة سنة 2020.
ويراهن المغرب على توجيه جزء أكبر من موارده نحو المنتجات المصنعة ذات القيمة المضافة المرتفعة، بدلا من تصدير الأسماك في حالتها الخام. ويتلاءم هذا التوجه مع التحول الذي تشهده السوق الأميركية، كما يتيح للصناعة الوطنية تحقيق عائدات أكبر ودعم فرص الشغل داخل وحدات التحويل.
وتزداد أهمية هذه الفرصة المتاحة في الولايات المتحدة الأمريكية، في ظل توقعات بارتفاع قيمة السوق العالمية للأسماك المعلبة من نحو 10,2 مليارات دولار سنة 2024 إلى قرابة 18 مليار دولار بحلول سنة 2034.
ويواجه المغرب، مع ذلك، معادلة دقيقة تجمع بين استثمار الطلب الأميركي المتصاعد والمحافظة على استدامة مخزون السردين وضمان تموين السوق الوطنية، فيما سيظل نجاح المصنعين المغاربة مرتبطا بقدرتهم على رفع القيمة المضافة وتحسين تنافسية المنتجات، دون زيادة الضغط على مورد بحري يشهد تراجعا متواصلا.
