يستعرض عبد الرحيم هومي، المدير العام للوكالة الوطنية للمياه والغابات، التقدم الذي أحرزه المغرب في مجال استعادة النظم البيئية وتعزيز صمود المجالات الترابية، وجهود التنسيق التي تبذلها الوكالة مع باقي الشركاء العموميين لضمان نجاح برامج إعادة التشجير، ودور الساكنة المحلية في حماية الغابات، بالإضافة إلى التدابير المتخذة للتخفيف من الأثر السوسيو-اقتصادي للتصحر.
1. أصبحت مكافحة التصحر أولوية في مواجهة الآثار المتزايدة للتغير المناخي. ما هي أبرز الإنجازات التي حققها المغرب في مجال استعادة النظم البيئية وتعزيز صمود المجالات الترابية؟
يعد المغرب، بصفته دولة طرفا في اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة التصحر منذ سنة 1996، من البلدان المعرضة بشكل خاص لهذه الظاهرة، إذ إن أكثر من 90 في المائة من ترابه يتكون من مناطق حساسة للتصحر، لا سيما في المناطق القاحلة وشبه القاحلة؛ حيث تكون التربة شديدة الهشاشة أمام التعرية والتدهور.
وتماشيا مع الرؤية المتبصرة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، نصره الله، جعلت المملكة من مكافحة التصحر والتدبير المستدام للموارد الطبيعية أولوية استراتيجية. وقد ت رجم هذا التوجه من خلال اعتماد مقاربة مندمجة تقوم على معرفة أفضل بالنظم البيئية، وتحديد أسباب وآثار تدهور الأراضي، فضلا عن إرساء إصلاحات تشريعية ومؤسساتية وتنظيمية تعزز الإطار الوطني للتدخل.
وتتجسد هذه الدينامية من خلال حزمة متناسقة من الاستراتيجيات والمبادرات والبرامج المهيك لة التي تهدف إلى تعزيز صمود النظم البيئية والساكنة، لا سيما استراتيجية «غابات المغرب»، واستراتيجية «الجيل الأخضر»، والمخطط الوطني للماء، والاستراتيجية الوطنية للطاقة، والمبادرة الوطنية للتنمية البشرية، وبرنامج تقليص الفوارق المجالية والاجتماعية بالعالم القروي، بالإضافة إلى سياسة السدود التي تعد ركيزة تاريخية للسياسة المائية بالمملكة.
ويحتل القطاع الغابوي، الذي يعد دعامة أساسية لتنزيل اتفاقيات ريو الثلاث وأجندة 2030، مكانة محورية في مكافحة التصحر والمحافظة الشاملة على البيئة. وفي هذا السياق، تتميز استراتيجية «غابات المغرب 2020-2030» بطموح يرتكز على استعادة النظم البيئية الغابوية، وتعزيز وتوسيع الغطاء الغابوي، وحماية التربة، وتحسين الظروف المعيشية للساكنة القروية.
أما على مستوى المكتسبات، فتجدر الإشارة إلى أن البرنامج الوطني لإعادة التشجير يواصل تسريع وتيرته بهدف بلوغ ما يقرب من 100 ألف هكتار من المساحات المشجرة سنويا في أفق عام 2030، مع إعطاء الأولوية للأنواع المحلية المتأقلمة مع الظروف المناخية المحلية. وفي المقابل، مكن برنامج المحافظة على المياه والتربة من معالجة أزيد من مليون هكتار من الأراضي المهددة بالتدهور، مساهما بذلك في محاربة التعرية وحماية الأحواض المائية وتحسين صمود النظم البيئية.
وفي إطار برنامج المحافظة على التنوع البيولوجي وتثمينه، قام المغرب بتحيين المخطط التوجيهي للمناطق المحمية (PDAP)، والذي ينص على توسيع مهم للمناطق ذات القيمة البيئية العالية لتنتقل من 2,5 مليون هكتار إلى أزيد من 7,6 ملايين هكتار.
وفيما يتعلق ببرنامج حماية الغابات من الحرائق، يتميز المغرب داخل حوض البحر الأبيض المتوسط بتسجيل أحد أدنى نسب المساحات المتضررة من الحرائق، وهو إنجاز يعكس نجاعة المقاربة الاستباقية المعتمدة.
وبالموازاة مع ذلك، أرست المملكة مخططا وطنيا لمكافحة الجفاف يعتمد على آليات التوقع والإنذار المبكر والاستعداد والاستجابة لفترات الجفاف. ويرتكز هذا المخطط، بشكل خاص، على تطوير تحلية مياه البحر، والربط بين الأحواض المائية، وإعادة استخدام المياه غير التقليدية، مما يساهم في ضمان أمن مائي مستدام وتعزيز القدرة على الصمود في مواجهة التغيرات المناخية.
وبفضل هذه المقاربة الاستباقية والمندمجة، يرسخ المغرب مكانته اليوم كفاعل مرجعي على المستويين الإقليمي والدولي في مجال التنمية المستدامة، ومكافحة التصحر، والتكيف مع التغيرات المناخية.
2. رغم التساقطات المطرية الاستثنائية الأخيرة، ما تزال بلادنا تواجه جفافا هيكليا. كيف تنسق الوكالة الوطنية للمياه والغابات جهودها مع مختلف الشركاء العموميين لضمان عدم تأثر برامج إعادة التشجير بالإجهاد المائي؟
تشكل التساقطات المطرية المسجلة هذا العام مؤشرا مشجعا، لكنها يجب ألا تحجب حقيقة جوهرية، وهي أن المغرب لا يزال يواجه جفافا هيكليا وضغطا متزايدا على الموارد المائية بفعل تأثير التغير المناخي. وفي هذا السياق، يعتمد نجاح برامج إعادة التشجير بالدرجة الأولى على الاستباقية والتكيف.
لذلك، تندرج أعمال الوكالة الوطنية للمياه والغابات ضمن مقاربة منسقة مع مختلف المتدخلين المعنيين، لا سيما القطاعات المكلفة بالماء، والفلاحة، والبيئة، وإعداد التراب الوطني، بالإضافة إلى الجماعات الترابية والشركاء المحليين. ويتيح هذا التنسيق ضمان الانسجام بين برامج استعادة النظم البيئية، واستراتيجيات تدبير المياه، وأولويات التنمية الترابية.
وعلاوة على التنسيق المؤسساتي، قمنا بملاءمة مقاربتنا التقنية بشكل عميق؛ حيث ت صمم برامج إعادة التشجير اليوم بناء على الخصائص البيئية والمناخية لكل مجال ترابي. ونمنح الأولوية للأنواع المحلية والأصناف الأكثر مرونة ومقاومة للإجهاد المائي، مع تعزيز إجراءات استعادة التربة ومكافحة التعرية من أجل تحسين احتفاظ التربة بمياه الأمطار وزيادة قدرتها على امتصاصها.
علاوة على ذلك، تولي استراتيجية “غابات المغرب 2020-2030” اهتماما بالغا باستعادة المناظر الطبيعية الحرجية وحماية الأحواض المائية. فالهدف لا يقتصر على غرس الأشجار، بل يتعداه إلى استعادة نظم بيئية قادرة على حفظ المياه بشكل أفضل، وحماية التربة، ومقاومة فترات الجفاف بشكل مستدام.
وتعتمد الوكالة أيضا على أدوات حديثة لرصد البيئة ومراقبة النظم البيئية، بما يسمح بتوجيه التدخلات نحو المناطق الأكثر هشاشة، وتكييف الاختيارات التقنية باستمرار مع التطورات المناخية المسجلة.
وتتمثل طموحاتنا في الانتقال من منطق التشجير إلى منطق حقيقي لصمود المجالات الترابية، حيث تساهم الغابة في الأمن المائي، وحماية الموارد الطبيعية، وتكييف المجالات الترابية مع التغيرات المناخية.
3. ما هي التدابير التي تقترحها الوكالة على الساكنة المحلية حتى تصبح فاعلا في الحفاظ على الغابات؟
لا يمكن ضمان الحفاظ المستدام على الغابات ومكافحة التصحر دون إشراك فعلي للساكنة المحلية. ويشكل ذلك مبدأ أساسيا في استراتيجية “غابات المغرب 2020-2030″، التي تضع المستعملين والجماعات المجاورة للغابات في صلب التدبير الغابوي. ويتمثل الهدف في جعل الساكنة المحلية شريكا حقيقيا في المحافظة على الفضاءات الغابوية وتنميتها.
ولتجسيد هذه الرؤية، أرست الوكالة الوطنية للمياه والغابات حكامة تشاركية ترتكز بالخصوص على منظمات التنمية الغابوية، وجمعيات التدبير الرعوي الغابوي، والتعاونيات الغابوية. وتتيح هذه الهياكل للساكنة المشاركة المباشرة في التخطيط للمشاريع الغابوية وتدبيرها وتتبعها، مع تمكينها من التعبير عن حاجياتها وأولوياتها.
وتتجسد هذه المقاربة، على وجه الخصوص، من خلال مخططات التنمية الغابوية الجماعية التشاركية التي يتم إعدادها بتشاور مع الساكنة والجماعات المعنية. وإلى غاية نهاية سنة 2025، تم إحداث 73 هيئة للتنمية الغابوية، فيما استفادت 147 جماعة من آليات التنشيط الترابي الموضوعة في إطار هذه المقاربة.
وبالتوازي مع ذلك، تشجع الوكالة تطوير أنشطة مدرة للدخل ومتوافقة مع التدبير المستدام للموارد الغابوية. كما تواكب التعاونيات في تثمين المنتجات الغابوية، مثل النباتات العطرية والطبية، وإكليل الجبل، وورق الغار، والمنتجات المجالية. ويضم النسيج التعاوني الغابوي حاليا أكثر من 310 تعاونيات تضم ما يقارب 20 ألف منخرط.
وتعكس هذه المقاربة قناعة راسخة مفادها أن السكان الذين يعيشون على تماس مباشر مع الغابة هم أول المعنيين بالحفاظ عليها. ومن خلال توفير آليات للمشاركة، وفرص اقتصادية، ومنافع ملموسة ناتجة عن التدبير المستدام للموارد الطبيعية، تعمل الوكالة على تعزيز انخراطهم في جهود المحافظة على الغابات، والمساهمة في بناء علاقة مستدامة بين المجتمعات المحلية والنظم البيئية الغابوية.
4. يشكل التصحر تهديدا مباشرا لسبل عيش الساكنة القروية. كيف تدمج الوكالة الوطنية للمياه والغابات الأثر السوسيو-اقتصادي لهذه الظاهرة؟
لا يقتصر التصحر على كونه إشكالية بيئية فحسب، فالتدهور التدريجي لخصوبة التربة، وتراجع الموارد المائية واختلال النظم البيئية، كلها عوامل لها انعكاسات مباشرة على الدخل والتشغيل وظروف عيش الساكنة القروية.
وفي هذا السياق، تعتبر الوكالة الوطنية للمياه والغابات أن مكافحة التصحر تمثل رهانا مزدوجا يتعلق بحماية الموارد الطبيعية وتحقيق تنمية ترابية مستدامة. إن قناعتنا راسخة ومفادها أنه لا يمكن لاستعادة النظم البيئية أن تكون مستدامة إلا إذا رافقها تحسن ملموس في ظروف عيش الساكنة التي تعتمد عليها.
ومن هذا المنطلق، ينبغي أن توفق مكافحة التصحر بين الحفاظ على الرأسمال الطبيعي، وخلق الفرص الاقتصادية، وتعزيز صمود المجالات الترابية
وترتكز هذه المقاربة أولا على حكامة تشاركية تشرك الساكنة المحلية في التدبير المستدام للموارد الغابوية من خلال هيئات التنمية الغابوية، ومخططات التنمية الغابوية الجماعية، وآليات التنشيط الترابي التي أرستها الوكالة. وتسمح هذه الدينامية بأخذ حاجيات المجتمعات المحلية وتحديات حماية الموارد الطبيعية بعين الاعتبار بشكل أفضل عند تصميم وتنفيذ المشاريع الغابوية.
كما تعمل الوكالة على تهيئة بيئة ملائمة لظهور مبادرات مقاولاتية مستدامة، وهيكلة سلاسل القيمة الغابوية، وتشجيع الحلول المبتكرة التي توفق بين التنمية الاقتصادية والحفاظ على الموارد الطبيعية.
وتواكب الوكالة أيضا تطوير التعاونيات الغابوية والتثمين المستدام للمنتجات الغابوية، مع دعم الأنشطة المدرة للدخل الملائمة لخصوصيات كل مجال ترابي. كما يتم تنفيذ إجراءات دعم مباشر لفائدة الساكنة القروية، ولا سيما عبر توزيع خلايا النحل وأغراس الأشجار المثمرة، بما يساهم في تنويع مصادر الدخل وتعزيز صمود الأسر في مواجهة آثار الجفاف والتصحر.
وعلاوة على ذلك، يتيح تثمين الفضاءات الطبيعية والمتنزهات الوطنية عبر السياحة الإيكولوجية والأنشطة المرتبطة بالتنوع البيولوجي آفاقا جديدة للتنمية المحلية، مع تعزيز حماية التراث الطبيعي الوطني.
وبالتوازي مع ذلك، تتيح برامج التشجير واستعادة النظم البيئية والمحافظة على المياه والتربة سنويا فرصا مهمة للتشغيل لفائدة الساكنة القروية. وتسهم هذه الأوراش ليس فقط في حماية الموارد الطبيعية، بل أيضا في تنشيط الاقتصاد المحلي وإحداث مداخيل بالمناطق الأكثر هشاشة.
وتحرص الوكالة كذلك على أن تواكب جهود المحافظة على الموارد الطبيعية آليات تضامن وتعويض ملائمة. ففي سنة 2025، شملت عمليات الإغلاق الوقائي الرامية إلى استعادة الفضاءات الغابوية المتدهورة نحو 80 ألف هكتار موزعة على 530 موقعا، بغلاف تعويضي ناهز 45 مليون درهم لفائدة الساكنة المعنية. وتتيح هذه الآليات التوفيق بين متطلبات الاستعادة الإيكولوجية وحاجيات المستعملين، وتعزيز انخراطهم في جهود المحافظة على الموارد الطبيعية.
ومن خلال هذه المقاربة المندمجة، تعمل الوكالة الوطنية للمياه والغابات على جعل مكافحة التصحر رافعة للتنمية المستدامة، قادرة على التوفيق بين استعادة النظم البيئية، والحفاظ على الموارد الطبيعية، والتحسين المستدام لظروف عيش الساكنة القروية.
