لم يعد الحديث عن التنمية الفلاحية في المغرب يقتصر على الإنتاج والمردودية والاستثمار، بل أصبح يشمل أيضا الأمن الاجتماعي للفلاح باعتباره أحد الشروط الأساسية لتحقيق السيادة الغذائية.
ويبرز «الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي» اليوم كأحد أبرز الفاعلين في هذا التحول، بعد أن أصبح يشرف على تنزيل ورش تعميم الحماية الاجتماعية لفائدة فئات واسعة من العاملين بالقطاع الفلاحي.
هذا التوجه أكده عزيز أخنوش، رئيس الحكومة، خلال جلسة المساءلة الشهرية بمجلس المستشارين، عندما أعلن أن الحكومة مكنت ما يناهز 1,4 مليون فلاح من الاستفادة من التأمين الإجباري الأساسي عن المرض والدعم الاجتماعي المباشر، في إطار سياسة تروم إدماج الفلاحين داخل منظومة الحماية الاجتماعية وتحسين أوضاعهم المعيشية.
ويعكس هذا الرقم حجم التحول الذي يشهده العالم القروي، إذ لم تعد الحماية الاجتماعية امتيازا يقتصر على الأجراء، بل أصبحت تشمل فئات كانت لعقود خارج دائرة التغطية، وهو ما يجعل دور الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي محوريا في تنزيل أحد أكبر الأوراش الاجتماعية التي أطلقها المغرب خلال السنوات الأخيرة.
وفي عرضه أمام المستشارين، ربط رئيس الحكومة هذا الورش مباشرة باستراتيجية «الجيل الأخضر 2020-2030»، التي اعتبرها امتدادا لمكتسبات مخطط المغرب الأخضر، موضحا أنها تقوم على إحداث تحول هيكلي للقطاع الفلاحي، لا يقتصر على رفع الإنتاجية، بل يشمل أيضا تنمية الرأسمال البشري وإعادة الاعتبار للعالم القروي.
ولم يخف أخنوش أن إنصاف الفلاح الصغير والمتوسط يمثل أحد المرتكزات الأساسية لهذه الاستراتيجية، مذكرا بالتوجيهات الملكية الداعية إلى تقوية الطبقة الوسطى الفلاحية باعتبارها رافعة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية، وهو ما يمنح بعدا استراتيجيا لتوسيع التغطية الاجتماعية داخل القطاع.
ولا يقتصر دور «الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي» «CNSS» على تدبير التأمين الإجباري الأساسي عن المرض، بل أصبح يشكل بوابة لولوج آلاف الأسر القروية إلى منظومة الحماية الاجتماعية، بما توفره من خدمات صحية واجتماعية تساهم في الحد من الهشاشة وتعزيز الاستقرار داخل الوسط القروي.
وتأتي هذه الإجراءات ضمن حزمة أوسع من التدابير الاجتماعية والاقتصادية التي استعرضها رئيس الحكومة، من بينها رفع الحد الأدنى للأجر الفلاحي بنسبة 25 في المائة في إطار الحوار الاجتماعي، وتمكين أكثر من 17 ألف شاب من التمويلات والتحفيزات لإنجاز مشاريع فلاحية وشبه فلاحية، فضلا عن إحداث 30 مركزا جهويا للتكوين الفلاحي، وهي برامج تكمل ورش الحماية الاجتماعية وتستهدف جعل العنصر البشري في صلب التنمية الفلاحية.
وفي المقابل، واصلت الحكومة الاستثمار في البنيات الإنتاجية، من خلال توقيع 19 عقد برنامج مع مهنيي القطاع بغلاف مالي يناهز 110 مليارات درهم، وتوسيع مشاريع الإعداد الهيدروفلاحي والري الموضعي، وهي استثمارات اعتبرها أخنوش عاملا رئيسيا في دعم تنافسية القطاع وتحسين مردوديته.
كما أشار رئيس الحكومة إلى أن الفلاحة المغربية أظهرت قدرة على الصمود رغم أكثر من سبع سنوات من الجفاف، مسجلة نموا بلغ 4,6 في المائة مع نهاية سنة 2025، مع توقعات ببلوغه 15 في المائة خلال سنة 2026، وهو ما يعكس، بحسب الحكومة، النتائج الأولى للإصلاحات الهيكلية التي يشهدها القطاع.
ولا يبدو توسيع قاعدة المستفيدين من خدمات «الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي» مجرد إجراء اجتماعي معزول، بل يندرج ضمن رؤية أشمل تعتبر أن السيادة الغذائية لا تتحقق فقط بتوفير المياه ورفع الإنتاج، وإنما أيضا بحماية الفلاح وتأمين استقراره الاجتماعي والصحي.
