أعادت تنبيهات بشأن تكاثر أعشاش الدبور الشرقي في شمال المغرب، مطلع أكتوبر الجاري، تسليط الضوء على انتشار هذه الحشرة المفترسة وما قد تطرحه من مخاطر على تربية النحل والتوازنات البيئية.
ويأتي ذلك بعدما أكدت دراسة علمية، نُشرت في يناير 2026، استقرار النوع المعروف علميا باسم «Vespa orientalis» وتكاثره بالمملكة، إثر رصد 80 عشا في مواقع بالساحل الشمالي.
وشملت الأبحاث الميدانية، التي أُجريت خلال خريف 2025 بمشاركة باحثين من جامعة عبد المالك السعدي بتطوان، مناطق من بينها الفنيدق والملاليين وكابو نيغرو، وقدمت نتائجها أول تأكيد علمي على استقرار الدبور الشرقي وتكاثره بالمغرب، بعد سلسلة من المشاهدات المتفرقة خلال السنوات السابقة.
وتعود أولى الإشارات إلى وجوده بالمنطقة إلى رصده في الجزيرة الخضراء، بالضفة الإسبانية لمضيق جبل طارق، سنة 2018، ثم في سبتة سنة 2023، وفي أكتوبر من السنة نفسها، أبلغ نحال عن ظهوره قرب منحل بوادي المرسى، بإقليم الفحص أنجرة.
وخلال شتنبر 2024، جرى التقاط عينات أخرى بمنطقة طنجة، مع اكتشاف عشين صغيرين وإتلافهما، بالتزامن مع تسجيل مشاهدات جديدة باتجاه الدالية والقصر الصغير. وتكشف هذه المعطيات المتعاقبة عن اتساع نطاق رصد الحشرة، قبل أن تؤكد التحريات العلمية وجود أعشاش متعددة على الساحل الشمالي.
وتثير التجربة الأندلسية مخاوف بشأن سرعة الانتشار المحتملة في المغرب، بالنظر إلى تشابه المناخ المتوسطي والأوساط البيئية بين شمال المملكة وجنوب إسبانيا، فبعد ثلاث سنوات من اكتشاف الدبور الشرقي بالجزيرة الخضراء، كانت الهجمات على المناحل قد تكاثرت في منطقة «كامبو دي جبل طارق»، ووصف الباحثان في علم الحشرات، «ليوبولدو كاسترو» و«كارلوس ديل بيكو»، ضغطا شديدا على بعض المناحل، مع معاينة خلايا لم يعد فيها نحل.
ووثقت دراسة نُشرت أواخر سنة 2025 استمرار انتشاره في عدد من الأقاليم الأندلسية، فضلا عن منطقة طليطلة. كما تقدم مدينة ترييستي الإيطالية مثالا آخر، إذ رُصد فيها النوع سنة 2018، قبل أن يوثق الباحثون هجماته على النحل وانهيار طوائف ضعيفة.
وبالنسبة إلى النحالين المغاربة، يبرز افتراس النحل بوصفه أحد أبرز مصادر القلق، لكن المخاطر المحتملة لا تقتصر على المناحل. فالدبور الشرقي يصطاد أيضاً حشرات برية لتغذية يرقاته، من بينها أنواع تساهم في تلقيح النباتات، ما قد يزيد الضغط على الملقحات ويؤثر في وظائفها البيئية.
وفي هذا السياق، يحذر «خايرو روبلا»، الباحث بمحطة «دونيانا» البيولوجية بإسبانيا، من أن الدبابير الغازية قد تؤدي إلى إفقار تجمعات أنواع تؤدي أدوارا أساسية داخل النظم البيئية، غير أن حجم انعكاسات انتشار الدبور الشرقي على تلقيح النباتات البرية والمزروعة في المغرب ما يزال بحاجة إلى تقييم علمي.
وتشمل مصادر القلق أيضا بعض المنتجات الفلاحية، بعدما لوحظت هذه الحشرة، التي تجذبها السكريات، تتغذى على العنب الناضج، وهو سلوك قد يتسبب في خسائر بالمحاصيل عند تكاثرها، دون أن تتضمن المعطيات المتاحة تقديراً لحجم الأضرار بالمملكة، كما يثير وجود أعشاش قرب المساكن، أحياناً داخل التربة أو التجاويف، مخاطر التعرض للسعات.
وأمام تأكيد استقرار هذا النوع وتكاثره، تبرز الحاجة إلى تحديد دقيق لخريطة انتشاره بالمغرب، وتقييم كثافة أعشاشه وتأثيره على المناحل والمحيط البيئي، تمهيدا لاستجابة منظمة تحد من توسع بؤره.
وتؤكد «مونيكا فرنانديز أباريسيو»، الباحثة بمعهد الزراعة المستدامة التابع للمجلس الأعلى للبحوث العلمية بإسبانيا، أهمية استهداف الملكات خلال الأسابيع الأولى التي تلي خروجها من البيات الشتوي، وقد ساهم فريقها في قرطبة في القضاء على عشرات الملكات خلال ساعات في ربيع 2026، في إطار تدخل مبكر للحد من تكوّن مستعمرات جديدة.
وتكتسب سرعة التدخل أهمية خاصة في ضوء الوضع بالأندلس، حيث باتت السلطات الإقليمية تعتبر استئصال النوع غير ممكن بعد انتشاره في مختلف أقاليمها، أما في المغرب، فقد تتيح الاستجابة المبكرة الحد من تكاثر البؤر، بينما ينذر تأخر التحرك باتساع المناطق التي تستوجب المراقبة وارتفاع كلفة المكافحة على المدى الطويل.
